ثقافة وأدبسليدر

لا عناوين في المدينة.. ذاكرة حواء تتحدى جيش الإبادة

لطالما كان الأدب صوتًا أكثر إنسانية يعيد تعريف العالم من حولنا. وحين يحمل حاضرنا وقائع مروّعة لحرب الإبادة الصهيونية، يمكننا عبر الأدب أن نشم رائحة التراب المختلط بالبارود والقهر والصمت.. فبعد دويّ التفجيرات يسود صمت الجدران التي تركها أصحابها، وصمت الناجين الذين يكرهون نجاتهم. صمت العالم الذي ينحني أمام غازٍ متوحش ينثر جثث الأبرياء كحبات القمح، فيما الأمهات يتأوهن بصمت!
وسط هذا الصمت تضج الذاكرة وتشتعل في أرواح النازحين والمقاومين، تذكرهم بما تركوه في مدينتهم من تفاصيل الحياة، وتذكّر العالم بأن جرائم المحتل عبر العقود لا تُمحى بالتقادم.

في روايتها الجديدة والصادرة عن دار “كتوبيا”، تواصل الكاتبة نردين أبو نبعة، مشروعها في السرد بعيون النساء، تربط الماضي بالحاضر كحلقات متصلة من إرادة الحياة برغم كابوس الصهيونية.
هنا يصبح العنوان مراوغة فـ”لا عناوين في المدينة” هو ما يريده المحتل حين محا كل شيء يرمز للحياة، لكنه لم يدرك ان العناوين قد صارت نقشًا في قلب كل فلسطيني، هؤلاء الذين تتشبث بهم عتبات بيوتهم، وتحنّ الأشجار، ويتلوّن موج البحر كمدا، وتكتنز الأرض أسماءهم وعناوينهم ولو صاروا مجرد رماد.

تقوم حبكة الرواية على قصة من أرض الواقع للسيدة هبة زوجة الشهيد فايق المبحوح، ومن ثمّ تخلق الرواية مسارين زمنيين يتبعان سيرة أم وابنتها في ظل الاحتلال، عبر نصف قرن من الزمان؛ الأم يهودية قدمت مع أسرتها من المغرب وساقتها أقدارها لتعرف حقيقة الصهيونية، ثم نرى الابنة التي نشأت في أجواء الحصار وتجربة النزوح والحرب، وظلّ صوتها شاهدا عليها.

كسر حاجز الصمت
“أخاف ذاكرتي كما يخاف جدول الماء من الدم أن يتغير لونه”

اختارت الكاتبة السرد عبر الراوي العليم مع شخصية الأم والتي انعكست من خلالها حياة الفلسطينيين ، غير أنها جعلت ابنتها “هبة” تبوح بضمير المتكلم لنصبح أقرب لأنات روحها التي تقوم الرواية على استدعاء ذاكرتها المؤججة بالحرب.
وفي الرواية نرى كيف تتخطى النساء مجبرات تروما الحرب وصدماتها؛ وقد واجهت هبة التي تعمل ممرضة ومتطوعة لدى منظمة أطباء بلا حدود، مشاهد مروعة قصف البيوت والمستشفيات في غزة وبينها: المعمداني والشفاء وكمال عدوان؛ لكن لم يكن يمكنها التوقف عن اللهث لإنقاذ أبنائها وإطعامهم وحماية جدتهم القعيدة، خاصة وقد صارت هي عامود البيت بعد غياب الزوج.

نعيش بالرواية أهوال مشاهد “أجساد صغيرة تحولت لقطع متفحمة لم يبق منها سوى عيون مفتوحة بلا إجابات”. أمهات تحملن أشلاء أبنائهن وأطباء يصرخون لأنهم لم يتدربوا على حالات بهذه البشاعة. وفي كل مرة تتساءل هبة بمرارة: لماذا نحكي للعالم؟ هل ليتعاطف الشرفاء معنا ثم يغلقون الهواتف وينامون ؟ هل سنخبرهم بما لا يعرفونه والإبادة تحدث بالصوت والصورة؟

وتأتي كلمات “أمان” صديقة البطلة لتؤازرها وتشد من عضدها؛ فهي طبيبة فلسطينية امريكية ظلت تجمع شهادات الناجين وترفعها في بودكاست دولي، وتحاجج به المشككين وتشارك بتظاهرات، وهكذا شيئا فشيئا صارت بؤرة النور في عتمة الداخل الفلسطيني. وكانت كلماتها بلسما شافيا، وهي تخبر صديقتها: “لقد تغير الرأي العام صدقيني. أصبحت فلسطين خارطة الأطهار”.

سجن كبير
“أرض الميعاد كذبة.. إنها سجن كبير ونحن أسرى فيه”

اختارت الكاتبة من خلال شخصية الأم “إستر” والتي تحولت لـ”شهيرة” بعد إسلامها، أن تفضح السردية الصهيونية بعيون يهودية عرفت الحقيقة. لقد تشكل القرار داخلها كما شجرة الخيزران التي نمت على يدي “زين الدين” المناضل الفلسطيني الذي أحبته، وصممت على هجر عائلتها والزواج منه والدفاع عن الأرض.
تعبر استر عن تيار الوعي داخل إسرائيل وهي تتذكر معلمتها حين كانت تصرخ فيهم بأنه إذا لم ينتهوا من العرب فستكون هناك محرقة أخرى لليهود، لقد كانت تكرر ما يقوله الآباء الصهاينة هرتزل ومن بعده جابوتنسكي:”اي سكان اصليين لن يقبول باحلال آخرين محلهم ولهذا يجب سحقهم”.

ويلعب “زين الدين” دورا جوهريا في حياة إستر حين يفقأ فقاعة الأوهام والضلال التي عاشت فيها، ويخبرها بقصة مدينته يافا؛ تلك الأرض التي هُجر أهلها قسرا عبر البر والبحر، وأُحرقت بأكملها ليبنوا فوقها المستوطنات على أنقاض القرى الفلسطينية.

تعود الذاكرة بإستر للخمسينيات وهي بعد طفلة صغيرة جاء بها أبواها من المغرب ضمن رحلة للتعرف على إسرائيل، وبمجرد دخولهم اكتشفوا الخديعة أنها رحلة بلا عودة أجبروا خلالها على المكوث في المخيمات وترك تجارتهم في بلادهم والبدء ـبناء “وطنهم الجديد”. صاح الأب وقد أصبح الوطن مجرد سجن كبير، وظلت “حنة” الأم تعيش رعب الغريب في أرض ليست أرضه.

تجسد الرواية الصراع داخل إستر بين رفض أسرتها لزواجها وقسوتهم عليها وبين إيمانها المطلق بعار الانتماء للصهيونية، لكنها تتمسك بالحقيقة وتعلو فوق إغراءات الأهل وترحب بحياة متقشفة زاهدة مع زين الدين الذي وجدت ضالتها معه.
في حوارات زين الدين وإستر، نرى كيف يرد الوعي على زيف السردية الصهيونية. من ذلك أن الفلسطينيين لا يجب أن يكفروا عن خطيئة الغرب في محارق الهولوكست. بل وحين تتذكر إستر أغاني الطفولة: حيث تعانق أشجار الأرز السماء، وحيث ينساب نهر الأردن مسرعا.. هناك يرقد رفات ابي”، تتذكر معها كلمات زين الدين وتجعلها تعيد تفكير في كل الزيف الذي يتربى عليه الطفل الإسرائيلي؛ فاليهود لم يكونوا سوى حلقة عابرة فوق أرض عربية قبل آلاف السنين.. فأي أرض موعودة لهم؟

الحب زمن الحرب
“الحرب التماع الدمع على خد الحبيبة تبلل به كفن المحارب”.

في الرواية يأتلق الحب كملاذ أخير للروح تواجه به القسوة. لقد ظلت إستر تردد: “كنا مختلفين في كل شيء؛ ضدان كما الجرح والسكين” وهي قصة نادرة لعلاقة حب بين الجاني والضحية، وكما تقول البطلة فـ: “الحب والحقيقة وجهان لعملة واحدة”
لقد وقعت إستر ذات الجمال المغربي في حب سائق العربة التي تقلها للبيت من مصنع يافا للمعلبات، لكن هذا الحب سيصبح نقطة ميلاد تدفعها أكثر لهذه الأرض ولغتها ودينها وتاريخها، تبحر مع القرآن ثم تقارن ما فيه بسرديات الكراهية التي تربت عليها في “العهد القديم”؛ حيث الرب وأنبياؤه دعاة قتل لا سلم!.
ثم نمضي لعلاقة الحب الثانية بين الابنة هبة وزوجها الأسير المحرر “فايق” والذي أحبته من صميم روحها وصار أكبر مخاوفها فقدانه، كما كان جدار القوة واليقين الذي تستند إليه، ليس هي وحدها بل وجيرانها سكان شمال غزة المحاصرة والذين لعب معهم زوجها من خلال عمله الشرطي أدوارا كبيرة لإيصال المواد الإغاثية وتأمينها وهو ما عرضه لاستهداف الاحتلال لاحقا.

ما لا تذكره نشرات الأخبار
“يكفي ان تختبر الحرب مرة واحدة لتعيش معك للابد”

تعيد البطلة تعريف الحرب بكل معانيها بعيدا عن القوالب الجاهزة ولغة الأرقام السائدة في نشرات الأخبار. فالقصف:”موت منتظر، وركض في شوارع ملأى بالجثث. حياة على الحافة.. حافة الحياة والفقد والجوع والوجع” . هكذا شعرت هبة وهي تدفن ثلاثين من جيرانها بصحبة زوجها بعد قصف الحي الذي يقطنون فيه، ثم وهي تضع شواهد تحمل صفات ملابسهم على قبورهم لعل زوجة أو أما تهتدي إليها!

والحرب هي الحماة العجوز التي كانت تملأ البيت عجنا وخبزا وحنانا ثم انتشلوها قبل عامين من طوفان الأقصى وخلال قصف 2021، مجرد نصف جسد حي من تحت الركام، ولتصبح معاناة المبتورين قصة ألم حية مع كل نزوح، فمن يحمل هؤلاء ومن يتكفل برعايتهم؟ ومن أين لتلك الجدة بكل طاقة الصبر واليقين التي تنثرها برغم البلاء؟

هنا يصبح النزوح هو “الهروب للخلف.. أقدامك تسير للأمام، وذاكرتك وروحك تسيران للخلف حيث تركت بيتك ومشاعرك هناك” وهو أن تهيء النساء قلوبهن “للفقد لا الحب؛ فالحرب لا ترحم من يتذكر!”مع كل حنين للبيت وحياته التي زالت في خيمة وطوابير لا ترحم ولا تبقي للناس آدميتهم، بل وتتضاعف معها مخاوف الأمومة ومتاعبها أمام أطفال جوعى أو مرضى ومصير مجهول.

في الرواية نلتمس كيف كان طوفان الأقصى وكل عمليات المقاومة ردة فعل لتراكمات القهر. “وكأنها قطرة مطر ظلت لسنين معلقة في غيمتها إلى أن صارت إعصارا جرف كل شيء”. وترفض البطلة هبة من يلومون الضحية ويتركون الجلاد، أو يتناسون أن هذه المقاومة قد فضحت حقيقة جيش إسرائيل الذي تصور أنه لا يُهزم.

ومن خلال الطبيبة “أمان” وتواصلها مع “هبة” يعرف العالم جرائم المحتل حتى خلال أشهر الهدنة والتي يتغول فيها المحتل قصفا واصطيادا للمدنيين الجوعى أمام شاحنات الإغاثة وكأنها تسلية لجنوده، بل ويعرف العالم كيف كان الأطفال اغلب ضحايا الحرب وكيف ينتهك الإنسان، رجالا ونساء.

الرواية تنتصر للمقاومة وكسر حاجز الصمت؛ ولقد طارت “أمان” لتلحق بالأطفال المرضى داخل القطاع المحتل، وسط دعوات أهل مصر ومساعداتهم، فيما كانت هبة تشاهد فصولا شبه أخيرة في مدينتها.. وتسجل شهادتها التي قد تصبح الأخيرة للعالم.. فيما تناجي ربها: “يارب افرغ علي صبرا.. حتى ينبت من الوجع زهر”.

اقرأ أيضا:

محمد إسماعيل: خلاص الشعوب لا يصنعه مهدي منتظر

“مستر ولا شيء”.. نوبل والهوس العربي بالاعتراف

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=25422

موضوعات ذات صلة

عمر تقي: الكاريكاتير العراقي ولد من رحم الوجع

سارة الدسوقى

البابا تواضروس بالنمسا: من ألحان الكورال إلى بناء الشباب

حازم رفعت

قنا : سيدة تُنهي حياتها وحياة طفليها

أحمد الفاروقى

الحكومة تعلن دعم تركيب الألواح الشمسية للمنازل

اخلاص عبدالحميد

مطرانية الفيوم تحسم الجدل حول إزالة زراعات الدير

حازم رفعت

ترتيب أندية مجموعة التتويج قبل انطلاق الجولة الأولى

محمود المهدي