ثقافة وأدبسليدر

الوحش الذي يسكنك.. بين سجن الخوف ومفاتيح الترويض

في زمنٍ بعيد، شخَّص الإغريق مخاوفهم العاجزة أمام طبيعة قاسية عبر اختراع الآلهة؛ فجعلوا لكل عاصفة أو زلزال إلهًا يُسترضى بالقرابين. لكن مع تطور الفلسفة والعلوم، خرج الإنسان من عباءة أسطرة الطبيعة، لتتحول البوصلة تدريجيًا نحو الداخل. واليوم يرى علم النفس الحديث أن كثيرًا من الوحوش التي تطارد الإنسان لا تسكن تحت سريره، بل في أفكاره ومعتقداته ومشاعره العميقة.

يأتي كتاب “الوحش الذي يسكنك يمكن أن يكون لطيفًا”، اختيار وترجمة إيناس سمير، ليطرح رؤية معاصرة في علم النفس والوعي الذاتي، مفادها أن الخوف ليس عدوًا ينبغي القضاء عليه، بل تجربة إنسانية يمكن فهمها واحتواؤها والتعامل معها بصورة صحية، وأن مواجهة المخاوف تبدأ بالإنصات إلى رسائلها لا بمحاولة دفنها أو إنكارها.

جغرافية الخوف

يسلط الكتاب الضوء على الجذور اللغوية والتاريخية للمخاوف البشرية، إذ تعود كلمة فوبيا إلى الكلمة اليونانية فوبوس التي تعني الخوف أو الهلع. ومن هذه الكلمة اشتقت مصطلحات نفسية عديدة، منها الأغورافوبيا، وهي الخوف من المواقف التي يصعب فيها الهروب أو الحصول على المساعدة عند الشعور بالذعر، وقد تشمل الأماكن المفتوحة أو المزدحمة أو وسائل النقل، وكذلك الزينوفوبيا، التي تشير إلى الخوف أو العداء تجاه الغرباء أو الأجانب، ويشيع استخدامها في العلوم الاجتماعية والسياسية أكثر من استخدامها بوصفها تشخيصًا نفسيًا.

الخوف الأكبر 

غير أن أكثر المخاوف إثارة للاهتمام ليست تلك المرتبطة بالأماكن أو الغرباء، بل المخاوف التي قد تعيق الإنسان عن تحقيق إمكاناته، مثل: الخوف من النجاح والخوف من الفشل. ورغم أن مفهوم الخوف من النجاح يبدو متناقضًا للوهلة الأولى، فإن بعض علماء النفس والمعالجين يشيرون إلى وجوده لدى بعض الأشخاص، حيث يصبح النجاح نفسه مصدرًا للقلق بسبب ما قد يفرضه من مسؤوليات جديدة أو توقعات مرتفعة أو تغيرات في نمط الحياة. ويرتبط هذا الخوف غالبًا بالتساؤل: هل أستحق هذا النجاح؟ أو هل سأتمكن من الحفاظ عليه؟، إلى جانب الخشية من التعرض للنقد أو الإخفاق بعد تحقيق الإنجاز.

يورد الكتاب مقولة الكاتبة ماريان ويليامسون: “إن أعمق مخاوفنا ليست كوننا ناقصين، بل كوننا أقوياء بما يفوق القياس… إنه نورنا الذي يخيفنا أكثر من ظلامنا”.

الخزي والفشل

أما الخوف من الفشل، فيوضح الكتاب -استنادًا إلى الأفكار التي يناقشها عالم النفس جاي وينتش- أن ما يخشاه الإنسان ليس الفشل في حد ذاته، بل ما قد يجره معه من شعور بالخزي. فالذنب يرتبط بالسلوك، كأن يقول الإنسان: لقد أخطأت في هذا الأمر، بينما يطال الخزي صورة الإنسان عن نفسه، فيتحول الخطأ إلى اعتقاد راسخ بأنه شخص فاشل أو غير جدير بالتقدير.

وينعكس هذا الخوف في مجموعة من الأنماط السلوكية والنفسية التي قد تظهر بصورة متكررة، من بينها القلق الدائم من نظرة الآخرين والخشية من تغير تقييمهم للكفاءة أو الذكاء، والتردد في السعي وراء الأهداف أو اغتنام الفرص، والاعتقاد بأن حب المقربين أو احترامهم مشروط بالنجاح. كما قد يميل الشخص إلى خفض سقف التوقعات مسبقًا، فيخبر الآخرين بأنه لا يتوقع النجاح لتخفيف وطأة الإحباط إذا أخفق، ويجد صعوبة في وضع خطة بديلة عند التعثر، ويعاني أحيانًا أعراضًا جسدية مرتبطة بالقلق، مثل آلام المعدة أو القولون العصبي أو الصداع قبل الاختبارات أو المقابلات أو المواقف المهمة.

وقد يتجلى هذا الخوف أيضًا في التسويف والانشغال بمهام جانبية أقل أهمية هربًا من المهمة الأساسية، أو في التردد في مغادرة منطقة الراحة ورفض التجارب الجديدة خوفًا من الخطأ، إضافة إلى المبالغة في تجنب المخاطرة حتى لو أدى ذلك إلى تعطيل التطور الشخصي أو المهني. وتبقى العلامة الأبرز هي تفسير الإخفاق على أنه دليل على نقص في الذات، فيقول الشخص: «أنا فاشل»، بدلًا من النظر إليه بوصفه تجربة لم تنجح هذه المرة يمكن التعلم منها.

السلوكيات التجنبية

الخوف من الفشل لا يُعد اضطرابًا نفسيًا مستقلًا في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وإنما يُنظر إليه بوصفه نمطًا من الأفكار والسلوكيات التجنبية التي قد تنشأ عن الخوف من الخزي أو الرفض أو فقدان التقدير، وقد يظهر مصاحبًا لاضطرابات مثل القلق أو الكمالية أو انخفاض تقدير الذات.

وفيما يتعلق بكيفية التعامل مع الوحش، يستعرض الكتاب مجموعة من الأساليب المستوحاة من مبادئ العلاج المعرفي السلوكي، تبدأ بالاعتراف بالخوف بدلًا من إنكاره، ثم تحديد الأفكار والمعتقدات التي تغذيه، ومناقشة أسوأ السيناريوهات المحتملة مع وضع خطة بديلة للتعامل معها، وصولًا إلى تحديد أهداف ذكية قابلة للقياس وللتحقيق وذات صلة، ومحددة بإطار زمني. كما يُنسب إلى توماس إديسون قوله: لم أفشل، بل اكتشفت آلاف الطرق التي لا تؤدي إلى النتيجة المطلوبة، في تعبير يلخص فكرة النظر إلى الفشل بوصفه خطوة في طريق التعلم لا نهاية للطريق.

ترويض الوحش

ويخلص الكتاب إلى أن الخوف ليس حكمًا بالإعدام على الطموح، بل إشارة إلى مناطق تحتاج إلى مزيد من الفهم والنمو. وكما قالت ج. ك. رولينج في خطابها بجامعة هارفارد: «من المستحيل أن تعيش دون أن تفشل في شيء ما، إلا إذا كنت تعيش بحذر شديد لدرجة أنك لم تعش أصلًا.» ومن ثم فإن تغيير علاقتنا بالخوف قد يكون الخطوة الأولى نحو حياة أكثر اتزانًا؛ فعندما نتوقف عن مقاومته ونسعى إلى فهم رسائله، يتحول من عبء يثقلنا إلى دافع يساعدنا على النمو واكتشاف قدراتنا.

إن كتاب “الوحش الذي يسكنك يمكن أن يكون لطيفًا” يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومخاوفه؛ فإذا توقفنا عن مقاومة الخوف وبدأنا بفك رموزه واحتوائه، فإن هذا الوحش المقيم في عقولنا لن يعود كابوسًا، بل سيتحول إلى طاقة تدفعنا لنكون أكثر صدقًا ونورًا مع أنفسنا ومع الآخرين.

 

اقرأ أيضًا: 

القمر.. رحلة من معابد الفراعنة إلى مآذن الإسلام

صاحب مدرسة الجن: “أخيطُ الشيبَ ظلًا” لأهزمَ مرآةَ الزمنِ

فيلم “الهنا اللي أنا فيه”.. كليشيه مستهلك تخذله الأحداث

غرنيكا.. لوحة بيكاسو التي فضحت وحشية الحرب

محمد طه في “علاقات خطرة” يحذر من العلاقات السامة

درويش: وسائل التواصل خنجر مسموم في ظهر الأسرة

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23003

موضوعات ذات صلة

“جوازة ولا جنازة” في مهرجان البحر الأحمر السينمائي

حسن عبدالعال

ملحمة آخر الزمان في الصفحات الأخيرة لمحمد أنيس

المحرر

تدشين كنيسة العذراء مريم بمنشية البكاري في فيصل

حازم رفعت

علي: “إزاي بنرقص” حالة شعورية كرقص الطير المذبوح

سارة الدسوقى

الصحفيون والأزهر شراكة وطنية تتسع للغد

ضاحى محمود

خريطة مخاطر لحماية التراث الأثري المصري

هدير عادل