
تزخر وسائل الإعلام بنقاشات حول “القلق والاكتئاب”، وغالبًا ما يُستخدم المصطلحان معًا كما لو كانا يمثلان مشكلة نفسية واحدة، في الحقيقة، القلق والاكتئاب تشخيصان منفصلان، وقد يتزامنان أحيانًا لدى الشخص نفسه، لكن معظم الناس يعانون من أحدهما، ومع ذلك، فإن الحالات المتزامنة عادةً ما يكون لها علاقة سببية واضحة يمكن فهمها.
يمكن أن تكون العلاقة السببية بين القلق والاكتئاب ثنائية الاتجاه: فالقلق غير المعالج الذي يؤدي إلى تقييد الحياة قد يُسبب الإحباط، والذي قد يتطور في النهاية إلى اكتئاب، من ناحية أخرى، قد يدفع الاكتئاب الأشخاص إلى الانسحاب من الأنشطة المعتادة التي تُحافظ على حالتهم المزاجية، مثل الرياضة والعمل والدعم الاجتماعي، وغالبًا ما يرتبط بزيادة القلق، غالبًا ما يظهر القلق عندما يشعر الشخص بتوعك، ويشعر بالحيرة إزاء التغيرات التي يمر بها، ويخشى ألا يتعافى.
يعاني معظم المصابين بالاكتئاب من قدرٍ من القلق على الأقل، ويشعر معظم المصابين باضطرابات القلق بالإحباط في نهاية المطاف بسبب استمرار الأعراض، بشكل عام، في حال وجود اكتئاب سريري حاد، يُعطى علاج الاكتئاب الأولوية ،قد يزول القلق عند زوال الاكتئاب، أو يمكن البدء بعلاج إضافي لاضطراب القلق، غالبًا ما يكون علاج اضطرابات القلق في سياق الاكتئاب الحاد صعبًا.
هناك بعض التوضيحات المهمة التي يجب ذكرها، تُستخدم كلمتا “قلق” و”اكتئاب” لوصف المشاعر بشكل عام: إذ يكاد الجميع يمر بهذه المشاعر عند مواجهة تحدٍّ، أو التعامل مع خسارة، أو إدارة موقف معقد، هذه التجارب عالمية: فهي عابرة وليست مُعيقة ولا مُربكة، يفهم الناس عمومًا ما يحدث ويمكنهم انتظار زوال هذه المشاعر، أو إدارة التوتر المستمر من خلال خيارات نمط الحياة مثل ممارسة الرياضة، والنوم الكافي، والدعم الاجتماعي.
المسألة المهمة هي إدراك متى يعاني شخص ما من اضطراب القلق و/أو الاكتئاب السريري، تستمر هذه المشاكل ولا تستجيب عادةً لإدارة التوتر أو بمرور الوقت، بل تحتاج إلى مزيد من المساعدة.
الاكتئاب السريري هو اضطراب مزاجي، وقد ينشأ كجزء من مشاكل أخرى مثل اكتئاب ما قبل الحيض، أو الاكتئاب ثنائي القطب، أو نتيجة للحزن، أو الصدمة، أو الفقدان الكبير، أو حالة طبية كامنة بالإضافة إلى ذلك، فإن الشعور بالإحباط والإرهاق الناتج عن التعامل مع اضطرابات القلق غير المعالجة – وخاصة الوسواس القهري – قد يؤدي إلى الاكتئاب، ومع ذلك، غالبًا ما يزول هذا النوع من الاكتئاب مع نجاح علاج اضطراب القلق وتصبح الأعراض أكثر قابلية للسيطرة.
ما يميز الاكتئاب السريري عن مجرد الشعور بالحزن أو الإحباط هو ما يُسمى بالأعراض الجسدية، والتي تشمل مشاكل في النوم، وفقدان الشهية للطعام والجنس، والأهم من ذلك، فقدان القدرة على الشعور بالمتعة، فالأشياء التي عادةً ما تُشعرك بالسعادة (مثل التواجد مع شخص تحبه، أو تناول طعامك المفضل، أو الاسترخاء على الشاطئ) لا تُشعرك بأي متعة، يختفي حس الفكاهة لديك، ولا يبدو أي شيء جذابًا أو ذا معنى. قد تشعر أيضًا بمشاعر مبالغ فيها من الذنب، وانعدام القيمة، واليأس.
أما الأشخاص المصابون باضطرابات القلق، فيعانون بشدة عند توقعهم القيام بأمر صعب، ويشعرون بالسوء الشديد عندما تسيطر عليهم مخيلتهم وتجعلهم يصدقون قصصًا كارثية قد تتحقق، لكن عندما لا يكونون قلقين، يشعرون بأنهم طبيعيون تمامًا، ويمكنهم الضحك والاستمتاع بوقتهم، قد يفتقرون إلى الثقة بالنفس أو تقدير الذات بشكل عام، لكنهم ما زالوا يملكون علاقات ويرغبون بها، ويمكنهم أن يكونوا متفائلين بدلًا من أن يكونوا يائسين.
إليك بعض المؤشرات التي يمكنك الاسترشاد بها عند محاولة فهم ما إذا كنت تعاني من القلق أو الاكتئاب أو كليهما:
النوم: بشكل عام، صعوبة النوم بسبب القلق هي حالة قلق، والاستيقاظ مبكرًا جدًا وعدم القدرة على العودة إلى النوم هو حالة اكتئاب، قد يحدث نوم خفيف ومتقطع في كلتا الحالتين.
الشهية: غالبًا ما يُفرط الأشخاص المصابون بالاكتئاب في تناول الطعام أو يُقللون منه، ونادرًا ما يستمتعون به، قد لا يتمكن الأشخاص القلقون من تناول الطعام خلال فترات القلق الشديد، الفرق الرئيسي هو أن مشكلة الأكل في الاكتئاب تستمر لفترة طويلة، بينما في القلق، تعتمد بشكل أكبر على مستوى القلق اللحظي.
الرغبة الجنسية: غالبًا ما تختفي في الاكتئاب، ولكن ليس بنفس القدر في اضطرابات القلق.
تجنب الأنشطة: في اضطرابات القلق، يكون تجنب الأنشطة نابعًا من توقع حدوث أعراض قلق، ترغب في الذهاب، لكنك خائف، أما في الاكتئاب، فيكون التجنب والانسحاب نابعين من عدم توقع أي متعة من النشاط، بل قد يزيد من شعورك بالاكتئاب، أنت ترغب فقط في الانسحاب والبقاء وحيدًا.
الأوجاع والآلام والطاقة: غالباً ما يشعر المصابون بالاكتئاب بالمرض، وانخفاض الطاقة، والعصبية، أو أنهم ليسوا على طبيعتهم، قد يُفرط الأشخاص القلقون في القلق بشأن إحساس أو عرض معين، وقد يعانون من مشاكل في الجهاز الهضمي أو توتر عضلي، لكن مستويات طاقتهم طبيعية.
التركيز والتفكير: لا يستطيع المصابون بالاكتئاب السريري التركيز في معظم الأوقات؛ وقد لا يتمكن المصابون باضطرابات القلق من التفكير بوضوح أثناء نوبات الهلع، لكنهم لا يواجهون صعوبة في التركيز عندما لا يكونون قلقين.
الدورة اليومية: غالباً ما يكون الاكتئاب أسوأ في الصباح، ويشعرون ببعض الراحة قبل النوم مباشرة؛ أما القلق فهو أقل قابلية للتنبؤ، وقد يبدأ مبكراً، ويستمر بشكل متقطع طوال اليوم، ثم يزداد عندما لا يكون هناك ما يشتت الانتباه ويحين وقت النوم.
الاجترار (التفكير المتكرر): في الاكتئاب السريري، غالباً ما يكون هناك تركيز على الشعور باليأس، أو العجز، أو الذنب، أو الخجل، أما في القلق، فغالباً ما تكون الاجترار محاولات لحل مشكلة، أو الإجابة على سؤال لا إجابة له، أو تحليل شيء محدد، أو التحقق منه، أو القلق بشأنه.
الهلع: الشعور بالهلع طوال اليوم بشكل مستمر، وعدم القدرة على النهوض من السرير أو الاسترخاء أو ممارسة الأنشطة بشكل طبيعي، قد يكون في الواقع حالة من الهياج، وهي في الحقيقة عرض من أعراض اضطراب المزاج، وليس القلق، أما نوبة الهلع المصاحبة لاضطراب القلق، فتحدث فجأة وتستمر عادةً لفترة قصيرة، وهي عبارة عن استثارة جسدية تُفسَّر خطأً على أنها حالة طبية أو نفسية طارئة.
أفكار انتحارية: ليس من النادر أن يشعر المصابون باضطرابات القلق بالقلق من احتمال إقدامهم على الانتحار، أو أن تراودهم أفكار “ماذا لو” التي يرفضونها، مع ذلك، إذا كانت هذه الأفكار رغبات أو نوايا حقيقية، فمن المرجح أنها اكتئاب وتحتاج إلى مزيد من المساعدة.
يُعد التاريخ العائلي مؤشراً إضافياً، فكل من الاكتئاب والقلق ينتشران في العائلات، وجود أحد الوالدين مصاباً باضطراب ثنائي القطب، أو يعاني من رهاب متعدد أو وسواس قهري، أو وجود تاريخ عائلي للانتحار، قد يكون ذا صلة.
