ثقافة وأدبسليدر

قلق مستعمل.. أن تنجو من شبح يسكنك

في كل صباح تغمر صفحات التواصل الاجتماعي آلاف الصور لابتسامات وورود وعبارات مفعمة بالرضا والحكمة؛ وبقدر ما تحمله من محاولات للسعادة فهي أيضا هروب من مواجهة مرض العصر وهو القلق المزمن الذي يحاصرنا كلما ازدادت وتيرة الصراع وتسارعت عجلة الأيام وازداد الإلحاح على طلب المكانة، وهكذا يسقط كل يوم ضحايا جدد في سجن مخاوفهم الأبدي..

في كتابه الأحدث “قلق مستعمل” والصادر عن دار “المحرر”، يصحبنا الأديب والمرشد النفسي علاء أحمد، في رحلة يشارك فيها أبناء القلق كصديق عاش تجربتهم المريرة، واختبر صراعهم المكتوم، وحاجتهم الماسة لا للنصائح الجافة بل للطمأنينة والوعي كمرآة يرى فيها شبح الأوهام نفسه فيحترق.

يوميات قلقة

“أعيش كمن يسير على حافة السكين، أتحاشى السقوط في أي لحظة. كل تقاطع مع البشر كان مغامرة محفوفة بالمخاطر. كل نظرة وكل كلمة تهديد محتمل، كأنني في معركة غير مرئية لا تنتهي”.

في كتابه الذي صاغه بسرد وجداني صادق، يتذكر الكاتب صراعه مع القلق، والذي حوّله لقاضٍ وجلاد لنفسه لأتفه الأسباب.
لكن ما معنى أن يصف القلق بـ”المستعمل”؟، يجيب الكاتب: لأننا نعرفه وبرغم قناعه الذي يرتديه في كل مرة، نشعر باضطراب العقل والجسد، خوف من مجهول لا ندري مصدره. أرق طويل وشرود يغذيه القلق وقد سكن كل شبر منّا كما تسكن الرطوبة في الجدران. بمرور الوقت تألف القلق بل وتخشى ألا تعرف نفسك بدونه، يتحول لزائر مقيم لا ضيف ثقيل؛ وكأن السكينة والفرح استثناء مزيف في حياتك.
ويستطرد: يرتدي القلق ثوبا جديدا في كل مرة ليبدو مقنعًا، يأتيك كـ”تفكير في المستقبل” أو “حذر” و”قارب نجاة من كارثة متوقعة”، مسميات كثيرة تحمل ذات الشبح المجهول. وفي النهاية نصبح أسرى مخاوفنا متيقظين حذرين من فخٍ لا نراه.

تاريخ القلق

“في عصر الرفاهية أدرك البشر أن المصيبة لم تكن في قلة ما يملكون بل في كثرة ما يخشون فقدانه “.

القلق صديق الإنسان منذ بدء رحلته على الأرض، وسؤاله عن مصيره. كان خوفه غريزيا من الوحوش ومن الطبيعة، ثم تحوّل الأمر وأصبح الشعور بالخطر أكثر ديمومة وارتباطا بالأخلاق والعقائد الدينية مع قيام الحضارات وهو ما نراه منحوتا على جدران المعابد، حيث يسأل المرء عن حياته ومصيره بعد الموت. بمرور الوقت بدأت الأسئلة الوجودية عن مدى حرية الإنسان ثم تشعبت لتصل لقلق مجتمعي في شتى مناحي الحياة خاصة زمن الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية.

اعرف عدوك

“القلق خصم مراوغ عنيد، يلتف حول أفكارنا، يزرع الشكوك، ويقودنا في متاهات لا نهاية لها”.

هكذا يقترب الكتاب من آليات عمل القلق داخلنا؛ بدء من الجانب البيولوجي حيث تنشط اللوزة الدماغية فترسل إشارات الخطر للجهاز العصبي، فيبحث ما يُعرف بالحصين عن ذكريات تعزز هذا الشعور واستجابته العاطفية وتفرز الغدد الأدرينالين والكورتيزول وترتفع ضربات القلب ويصبح الجسد في حالة تأهب. هكذا يمكن أن نرى كيف أن القلق مسألة نفسية جسدية متكاملة.
يقول الكاتب: القلق استنساخ للسيناريوهات الكابوسية، وكلما هربنا منها لاحقتنا، حتى نقرر مواجهتها بحقيقتها ونملأ الفراغ الذي تحب أن تستوطنه في عقولنا.

لا تخف.. نجوت

على مر العصور لجأ الإنسان للأديان لمواجهة الخوف من المستقبل وتفسيره؛ وظلت طقوس العبادة وتعاليم الأديان نبعا لتزكية الأخلاق والارتقاء بالنفس البشرية. ومن هنا فإن تلك الأسلحة الروحية كانت وسيلة لتشكيل إدراكنا لأنفسنا وليس فقط ملاذا روحيا.

تحمل قصص الأنبياء في القرآن الكريم لمحات تعيننا لفهم الطريق نحو الطمأنينة؛ فمثلا حين نتأمل خوف سيدنا موسى حين قضى على رجل من بني إسرائيل في سبيل نصرة آخر، وهرب من قومه الذين اتهموه بالقتل عمدا، فما كان من الرجل الصالح إلا أن قال له : “لا تخف نجوت من القوم الظالمين” وهنا يتأمل الكاتب بقوله: ربما هذا كل ما نحتاجه حين نخاف، أن يخبرنا أحدهم بأننا نجونا قبل أن يحاكمنا ويجلدنا بذنبنا الذي اقترفناه دون قصد.
وحين يتأمل الكاتب قصة أبي الأنبياء إبراهيم -عليه السلام -عندما قال: “رب أرني كيف تحيي الموتى” يتأكد كيف أن حاجتنا للطمأنينة الملموسة أصيلة في النفس ولا تعني الشك ولا نقص الإيمان بل الرغبة في رؤية ما يعين القلب ويجعله راسخا.

اقرأ أيضا: صورة مريم .. سيرة الذات في مرايا الجسد

منحة الألم

يقول الكاتب: “ذكرياتنا المؤلمة جروح مفتوحة حتى يتم علاجها” لكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن الإيمان بالقدر منجاة، فيقول: “عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير”. فحتى ما نصاب به من ألم هو جزء من خطة إلهية لتزكية نفوسنا ورفع درجتها، وقد وعد الله بأن يصحب العسر يسرًا، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله: “المصائب الحقيقية لها مدد من الصبر، لكن الوساوس والهموم لا مدد لها” .

إن الدين قد قدم لنا ما تنادي به اليوم كتب التنمية الذاتية الحديثة؛ فمبدأ “عش يومك” يذكرنا بحديث النبي: “من أصبح آمنا في سربه… فكأنما حيزت له الدنيا”، هذه النظرة البسيطة التي لا تكثر من الأمل في الغد.. القلب الشكور الذي يستجلب عطاءات الكون.

حتى فكرة مسامحة النفس سنجدها متأصلة في الديانات السماوية. يقول النبي: “كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون” فالتوبة فعل يعيد للروح خفتها، ويعلن أن الخطأ لم يكن هويتنا، وأننا مازلنا محل محبة الله طالما استوحشنا طريق الذنب.

حارب فراغك
القلق رغبة في السيطرة على كل شيء، لهذا ينصح الكاتب بأن ندرب أنفسنا على الحياة بكل ما تحمله من مجهول. ومن جهة أخرى لابد أن نهرب من تدافع الأفكار القهرية بملء وقت الفراغ بما يفيدنا حقا ويثري روحنا. فـ”من لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل”.

يقول الكاتب: توقف عن التفكير وامض في تيار الحياة. توقف عن تلك العدسات المكبرة التي تضخم كل ما فات في حياتك وتجاهلها. اصنع إنجازا في كل يوم.. تعلّم مهارة ومارس هواية. اندمج احيانا بين الجموع وتواصل مع المحيطين. مارس رياضة وتأمل واعتن بصحتك لأن كل ذلك مدعاة لغلق أبواب القلق وبناء نفس قوية.

حصن النفس

“النفس الكبيرة كالبحر .. لا تعكرها الأحجار”.

يؤكد الكاتب في نهاية رحلته أننا حين نواجه القلق يتجرد من أسلحته وينقشع خاصة مع التحصّن بالرفق بالنفس واليقين بالخالق والوعي بالقلق كعرض مرضي يشبه ارتفاع درجة الحرارة ومن ثمّ لا يمكن تجاهله أو مقاومته بمجرد الهرب. أحيانا يمكن أن تدوّن ما يخيفك فقط لتضعه في حجمه بشرط ألا يتحول لطقس ينغص حياتك.

أخيرًا، ينصحك الكاتب بأن تقلق فعلًا!. تقلق إن تسربت أيامك من بين أصابعك. تحارب في معارك وهمية. تعتزل بعيدا عن الشمس. تحرم نفسك من السقوط والنهوض بروح عالية. يقول الكاتب: يا صديقي ضع سيفك وامض بلا ضمانات فظلام اليوم ليس أصدق من نور الغد.. احسن الظن بربك حين اختارك للحياة.

اقرأ أيضا

مصنع الأحلام.. أنت المعجزة التي تنتظرها

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20286

موضوعات ذات صلة

الحقد: سمُّ النفوس وعُزلتها

أيمن مصطفى

ناشر إيطالي: مصر أرض الحكايات قبل 6 آلاف عام

شيماء عيسي

أحمد عز أرقام تؤكد صعوده السينمائي

أحمد عاشور

خلق الإنسان بين الوحي والعلم

محمود على

المتحف المصري ذاكرة حضارة تتجدد

هدير عادل

تفاصيل لقاء البابا تواضروس مع الأنبا بضابا

حازم رفعت