ثقافة وأدبسليدر

حنان سليمان: عالمنا لم يتعلم شيئًا من إبادة البوسنة

 ترتبط البوسنة والهرسك بصفحة دامية في ذاكرة أوروبا، وبرغم كونها واحدة من أجمل بقاعها؛ أرض الأنهار والجبال والمدن التي تعانقت فيها المآذن مع البيوت العتيقة والكنائس، وازدهرت ثقافات صنعت هوية فريدة على تخوم الشرق والغرب؛ لكنها أيضا أرض أصيبت بلعنة الجغرافيا وظلت ساحة لتصادم راح ضحيته آلاف الأبرياء وانتهى بحلقة مروّعة في سريبرنتسيا؛ وقد كشف صمت الأمم المتحدة عن هشاشة الضمير الإنساني بوضوح.
في كتابها “رحلة في ذاكرة الحرب” لا تكتفي حنان سليمان بالتنقيب عن آثار الحرب بل تعمد لاكتشاف وجهها الآخر من الثقافة والجمال والإنسان. وفي الحوار التالي نقترب منها من وجوه الذاكرة والحياة في هذا البلد والذي يقف اليوم من جديد على حافة الحرب

مع مرور ذكرى الإبادة التي تعرضت لها سربرنيتسا مؤخرا، هل تعتقدين أن البشرية قد تعلمت الدرس؟
لا يبدو أن العالم قد تعلم شيئًا. غزة فاجعة كبيرة خذلها ذوو السلطة فهي مثال صارخ للإبادة على مسمع ومرأى من العالم أجمع. لم يكن الوضع هكذا وقت البوسنة ولا في رواندا. لم يكن الإعلام حاضرًا بهذه القوة وهذه الآنية ولا وسائل التواصل الاجتماعي التي تجعل نقل الواقع لا يحتاج سوى ضغطة زر. في غزة انتفت الحجج. أعداد الضحايا مهولة ورحلوا خلال مدى زمني أطول ومع ذلك لم تبدأ محاكمة مجرم واحد عمّا حدث حتى اليوم.

في كتابك تزيلين الركام عن ذاكرة الحرب المتأججة تحت الرماد. هل يحمل الألم بذورًا للأمل؟
كل صباح هو لحظة أمل، وكذلك مسيرة سريبرينيتسا السنوية كونها مسيرة عودة لا خروج. هكذا تحولت إلى أمل لأنها رجوعٌ إلى نفس المكان الذي شهد كل هذا الروع ليقول السائرون إننا لم ننسَ وإن البوشناق باقون ولهم الحق في الحياة.

سافرت شرقا وغربا، فهل تحمل البوسنة خصوصية انطبعت في نفسك حتى اليوم؟
للبوسنة خصوصية عندي لأنها أول مأساة تسللت إلى طفولتي وتفتحت عليها عيني عبر شاشة الأخبار. كانت حتى قبل فلسطين. كانت الحرب وجبة المساء اليومية في نشرة التاسعة التي لا تفوت. لم أفهم يومها لماذا امتلأت بيوتنا بصدى مأساتهم. مضت سنوات، وكبر داخلي السؤال حتى صار شغفًا ناضجًا، ارتحلتُ إليها أبحث عن ملامح الحزن الأول الذي لمسني كطفلة. عاينتُ هناك نموذجًا مُلهمًا لإسلام أوروبي منفتح ومتعايش ومتحضر. سيظل للبوسنة مكان في قلبي لا ينازعها فيه شيء.

صنعت توليفة أدبية تلتقط العادات ولحظات الحب حتى في ظل الحرب .. حدثينا عن تحديات كتابة الرحلة
التحدي الرئيسي أني قررت الكتابة بعد انتهاء الرحلة. ومع أني أحرص على تدوين ملاحظات كثيرة أثناء السفر بحكم عملي الصحفي، لكنني أتصور أن وجود خطة مسبقة للكتاب كان سيوجهني لمزيد من الأماكن والأشخاص. انتابتني حيرة كذلك حول ملاءمة سرد بعض التفاصيل الشخصية أحيانًا، وتحدٍ آخر هو العكوف على الانتهاء من أول مسودة لهذا الكتاب في غضون شهر للحاق بموعد التقديم لجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة. والتحدي هنا لم يكن الوقت الضيق بقدر الثقل النفسي الذي شعرتُ به وأنا أصحو على الكتاب وأنام، والغُصّة تكبر في صدري حتى صار لها أنين توجع مسموع بخلاف الكوابيس. لا أنسى أيضا أنه مع مراجعة المسودة الأخيرة للكتاب كانت عجلة الإبادة في غزة قد دارت فزداتني ألمًا فوق ألمي.

تتوقفين أمام تجارب سينمائية لتجسيد الحرب، فكيف لعبت دورا كسلاح مقاومة ناعم؟
عندما تشارك فنانات مثل بينيلوبي كروز وآنجلينا جولي في أفلام عن البوسنة فهن يلفتن أنظار العالم إلى المأساة. وعندما تفوز أفلام لمخرجين بوسنيين بجوائز سينمائية كبرى مثل الأوسكار وجولدن جلوب فهذا أيضًا مهم للغاية. ولا تقل الأفلام الوثائقية على كثرتها أهمية، لكن الأفلام الروائية لها سحرها. السينما جبهة معركة بلا مدافع تُصاغ فيها الذاكرة الجماعية، وتُبنى فيها سردية الصراعات على الهوية والسلطة والحق في رواية التاريخ. اليوم في البوسنة تراجعت سطوة البنادق، وارتفعت سلطة الصورة.

الكتاب عامر بقصص استثنائية للحب، فما طبيعة العلاقة بين الصرب والبوشناق اليوم؟
البوسنة اليوم منقسمة على أهلها. أقول هذا في العموم طبعا مع وجود استثناءات. لكن البوشناق المسلمين يعيشون معًا في مدن يشكلون أغلبيتها ليستطيعوا العثور على وظائف وإلحاق أبنائهم بمدارس بسهولة، بينما صرب البوسنة يتركزون في الجمهورية الصربية الواقعة داخل اتحاد البوسنة والهرسك وتخضع لها لكنها تتمتع بحكم ذاتي. هذا يعني أننا نجد تماثيل تُمجّد مجرمي الحرب داخل الجمهورية الصربية وساحات وقاعات تحمل أسماءهم. التعليم كذلك ساحة معركة ويُستخدم في الجمهورية الصربية لتغذية العداء. تظل المصالحة واتفاق السلام على الورق أكثر منه واقعًا في الشارع. المصالحة تبدأ بالاعتراف بالجريمة والاعتذار عنها استعدادًا لتخطيها وهو ما لا نجده في أوساط صرب البوسنة الذين ما زالوا ينكرون الإبادة في تصريحاتهم الرسمية بل ويعتبرون البوسنة دولة مؤقتة بما يجعل تجدد الحرب لا تغيب عن الأفق.

تتناول الرحلة شهادات قاسية للناجين من المذابح، فما سبيلهم لتجاوز كرب الحرب؟
هناك من يقاوم بالضحك، وهناك من يطلب العلاج بالعقاقير، وهناك من يُغيّر المكان أملًا في حياة جديدة.

إلى أي مدى تساهم المتاحف في مواجهة جريمة إبادة الذاكرة في البوسنة؟
المتاحف عامرة بشهادات الشهود وبمواد توثيقية مرئية وسمعية ونصّية وكذلك بمتعلقات شخصية من وقت الحرب سواء بقايا معونات غذائية أو ملابس وألعاب أطفال نالتها يد العداء أو أحذية بالية فقدها أصحابها وهم ينجون بأرواحهم أو حتى أجزاء من موقع الحدث تحتوي على بقايا قذائف وعظام ومتعلقات شخصية وأرض طينية. كل هذا يجري تقديمه بشكل رقمي ومتطور يضع الزائر في قلب الحدث بما يليق به. وردة سريبرينيتسا البيضاء رمز الإبادة هي أيضًا وسيلة لحفظ الذاكرة. والأهم طريق الآلام في سريبرينيتسا الذي لم يُطمس رغم مرور 31 عامًا لتبقى الأرض حيّة شاهدة يقصدها الآلاف كل عام ليسيروا نفس المسار الذي ساره آلاف الأبرياء سنة 1995 هربًا من المجرمين. ما زالوا يكتشفون مزيدًا من الرُفات ويدفنوها حتى يومنا هذا!

انتقدت بالكتاب غياب الاستثمارات العربية الثقافية في البوسنة، فكيف يمكن تفعيلها؟
الاستثمارات العربية الحالية في البوسنة تتركز في العقارات، أما المشروعات الخيرية فتقوم على بناء المساجد بالأساس. للأسف لا ننظر للثقافة كمجال للاستثمار أو حتى لتخصيص أوقاف تخدم بلدًا نتشارك معه المُعتقد ولنا حضور فيه. أذكر في الكتاب محاولات لمؤسس جامعة سريبرينيتسا الصيفية تأمين تمويل كافٍ لبرنامجه من جهات عربية بعد أن جفّ تمويل الجهات المانحة لكنه بالنهاية اضطر للإغلاق للأسف. جامعة كهذه ببرنامجها السنوي الذي يمتد أسبوعًا واحدًا مهم لكي تظل البوسنة حاضرة في الأذهان ليس فقط لدى العرب أو المسلمين بل العالم أجمع.

تحلمين بالسفر لإيران والجزائر، فما الذي يحركك لتشدين رحالك لأي بلد؟
أُحب أن أسافر في التاريخ لا أن أقرأ عنه. لهذا قصدتُ البوسنة ومن قبلها الأندلس وفي قائمة الأماني الكثير؛ الجزائر وإيران وأرمينيا وكوسوفا والشيشان. أتطلع إلى نوافذ متنوعة أفهم بها الماضي فيها السينما والأدب والكتب والصحافة والمتاحف لكنها يجب أن تبدأ من الارتحال إلى الأرض.

اقرأ أيضا

30 عاما من إبادة البوسنة .. “رحلة في ذاكرة الحرب”

السيد حامد: مؤامرة “إسرائيل الكبرى” تعمل بقوة السلاح

الجلاب.. أحلام للبيع ووعود بلا ثمن

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24756

موضوعات ذات صلة

الإصلاح الزراعي: منع صرف الأسمدة للمتعدين على الأراضي

المحرر

بدرية طلبة تواجه الشائعات بالقانون

حسن عبدالعال

كافتيريا الكرنك..التوازن بين تطوير الخدمات وحماية التراث

هدير عادل

ثنائية ناصر ماهر تمنح بيراميدز انتصارًا صعبًا

محمد عطا

البابا تواضروس يستقبل وفد التحالف المعمداني العالمي

حازم رفعت

حاتم زغلول يكشف لـ”صوت البلد”: أسرار اختراع الواي فاي

مروة رزق