ثقافة وأدبسليدر

محمد إسماعيل: خلاص الشعوب لا يصنعه “مهدي منتظر”

حين تعجز الشعوب عن التغيير فإنها تنتظر مخلّصا يبعث فيها الأمل. وبمرور الزمن تدرّبت القوى الكبرى على صناعة “الأساطير البشرية” التي تستقطب الجماهير وتدفعها لتحقيق أغراض محركي اللعبة الأصليين، أصحاب النفوذ السياسي والإعلامي، وقد أصبحت حرفة بيع الوهم أكثر رواجا في زمن التواصل الاجتماعي.
في روايته الأحدث “مهدي باريس المنتظر” يقترب الكاتب محمد إسماعيل من حياة الجاليات العربية – والمغاربية تحديدا – في فرنسا؛ وكيف يدور صراعٌ على استقطاب العرب المهاجرين، كورقة رابحة بين تيار الإسلام السياسي من جهة، والأحزاب اليسارية من جهة أخرى، وقد وجدت فيهم كتلة انتخابية قابلة لتصديق وعود المساواة والعدالة. وبينما تتصاعد الأحداث، نكتشف أننا أمام أكثر من مهدٍ منتظر؛ أحدهما يروّج نبوءات غربية قديمة للقلقين بشأن المستقبل، والآخر يمتطي صهوة جواده مبشرا بفتوحات تعيد أمجاد العرب المتعطشين لأي نصر. الرواية تجعلنا نتساءل: هل صدامنا الحضاري مع الغرب أمرٌ محتم؟ وهل هناك من يتربح من تأجيج مشاعر العداء من الطرفين؟ وهل يمكن أن يحدث التعايش دون عزلة ولا ذوبان نفقد معه هويتنا كعرب؟
في السطور التالية حوار مع المؤلف والذي أنجز روايات عدة تحمل وجوها من حياة الإنسان العربي؛ واستطعنا في روايته “ورثة قارون” أن نقترب من المتاجرين بالنبوءات والخرافة في مصر القديمة والحديثة، ولكنه هنا يضعنا في قلب الحضارة الغربية لنرى ما يفعله “المهدي المنتظر”..

متى انطلقت شرارة كتابة تلك الرواية؟
بملاحظة تصريحات أحد الأحزاب اليسارية الفرنسية المغمورة، وجدت بداخلي ميلًا لاتجاهاتهم. وبالقليل من المتابعة اكتشفت إقبال المهاجرين العرب على تدويناتهم. أثارت هذه الملاحظة تساؤل بداخلي: هل هذه التصريحات تستهدفنا أم صادرة عن قناعة؟ فتوالت أفكار الرواية من هنا.
ولماذا اخترت باريس مسرحا لأحداث الرواية؟
باريس هنا هي عالم الرواية الذي فرض أماكنه وساكنيه وقوانينه، وقد ساعدني احتكاكي بها خلال عملي من الكتابة عنها بأريحية شديدة. والرواية وإن عالجت حياة الجاليات العربية في فرنسا؛ لكنها تظل حالة مرتبطة بكل العرب خارج أوطانهم، فحياتهم متشابهة إلى حد كبير. ويظل حنينهم لأوطانهم أيضا حاضرا في حياتهم اليومية؛ لذا أهدي الرواية إلى تلك القلوب التي لم تنجح في عبور البحر مع أجسادها.

هل كان حزب “الأخوية والمساواة” تجسيدا للتلاعب بالجماهير الحالمة بالمخلّص؟
نعم، هذا ما حاول الحزب فعله ونجح فيه مرحليًا. وهو ما سيفعله أي انتهازي مع من يتوقع النجاة من الخارج. وددت توصيل هذه الرسالة بعيدًا عن الشق السياسي الحزبي. فكل متقاعس عن إنقاذ نفسه لن يجد أمامه سوى المستغلين.

تجسد الرواية انصراف الناخبين لمن يملك “الخدمات” لا الشعارات.. فهل يغذي ذلك صعود رجال المال (ترامب نموذجا)؟
بالقطع، الناس تصفق للمبادئ وتصوت للمنفعة. ولنا في انتخابات النقابات في عالمنا خير مثال.
ترامب في الحقيقة يجمع الشعارات الجوفاء بالمال وما يحمله من وعد بالثراء. من السهل إطلاق عبارات مثل: لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا، وسيجد مصدقين بالملايين. قلة فقط ستتساءل كيف سيفعلها، وهل بمقدوره فعلًا؟ لكن الكتلة المؤثرة ستصدقه بالطبع.

في النص تتخندق الجالية العربية داخل عزلة اجتماعية وزمنية. فهل يسهل ذلك خداعها؟
لا يمكننا لوم الجالية على ذلك وقد عاشت في مجتمعات شديدة الانغلاق وحافظت على فطنتها. أما عن أسر التراث فحدث ولا حرج. لن يتغير حال العرب إن لم يتصالحوا مع تاريخهم ويأرشفوه وينظروا للأمام.

هل تمثل ساحة كف فاطمة مثالا لحالة التراحم العربي في المهجر؟
مصطلح التراحم يحتاج لوقفة، فأنا لا أدري هل يتلاحم العرب تراحمًا أم اشتراكًا في الاهتمامات والمصالح؟! في رأيي كانت كف فاطمة مكانًا حميمًا للعرب يجدون فيه أطعمتهم وشايهم وموسيقاهم. وكانت تمثل نقيضًا لمقهى السلام، الذي رغم عراقته وفخامته لا يمنحهم نفس الحالة الشعورية.

مع المهاجرة “آميدا”، تتجلى لعبة بيع الوهم للجماهير. فهل زادتنا مواقع التواصل غرقا فيها؟
خُلِقَت الأساطير قبل مواقع التواصل الاجتماعي بقرون. ما يحدث الآن ليس إلا تكرارًا لتواريخ مضت. تزيد وسائط التواصل الاجتماعي من سرعة وعمق الانتشار. لكن صناعة الوهم قديمة قدم الإنسان نفسه.

هل تعاني الجاليات من خطورة الذوبان في نسخ مشوهة كما جرى مع “نواه” و”آميدا”؟
يتأثر المرء بالمجتمع الذي يستوطنه، غربًا كان أو شرقًا. وتختلف درجة تأثره بقبوله للثقافة الوافد عليها. وهي نفس الظاهرة التي نشرت الجلباب والنقاب الخليجي في مصر.
نواه هارب من ماضيه، تعمد الذوبان هربًا من انتقام الوطنيين من والده وأمثاله. بينما تحاول آميدا إيجاد مكان لها تحت شمس باريس المكتظة. وهناك من هاجر رافضًا كل قيم مجتمع المهجر فانفصل عن واقعٍ اختاره بنفسه.

عانى البطل الصنهاجي من البطالة والشعور بالفشل. فهل هي لحظة مثالية لتجنيد الشباب؟
لقد كان ضحية جموده الفكري. فالآلة تستبدل العامل منذ قيام الثورة الصناعية، وربما قبلها. أن نتقبل هذه الحقيقة ونطور من أنفسنا هو المخرج الوحيد. وسيزداد هذا التحدي شراسة مع تطور الذكاء الصناعي.
وبالطبع فإن فقدان الأمل هي الحالة المثلى للاستقطاب والتجنيد، ومرضه النفسي “الاضطراب ثنائي القطب” سَهَّل إقناعه بكونه المهدي، أو هكذا ظن المدبرون.

هل لا تزال حالة “مسجد ميونيخ” في التلاعب بورقة المهاجرين مستمرة؟
استغلال الدين في السياسة هو أمر حتمي مع الشعوب ذات الحس الديني المرتفع، خاصة إن انخفض مستوى الفكر النقدي. وهو ما يسري على شعوبنا في أوطانهم أو المهاجر.

تعتمد على الحوار بشكل كبير في النص، والذي تتخلله اللهجة المغاربية، كيف أفادك ذلك فنيا؟
للحوار طبقات فنية مختلفة، أدناها أن ينوع إيقاع القراءة. وأوسطها أن يدفع الأحداث للأمام أو ينبئنا عن الشخصيات. أما أعلاها فهو أن يستخدم كأداة صراع ويبدي من بين السطور ما لم يُكتَب. حاولت جهدي أن أستخدمه في كل تلك المواضع، واللهجات المغاربية المختلفة أتت لإضفاء القليل من المحلية على النص.

في الرواية يشعر البطل بالحيرة بين قلب إسلامي وعقل علماني.. فما سبب ذلك؟
تكمن المشكلة في المسمى “إسلامي”، الذي تجاوز ما نزل به الوحي وامتد ليشمل الرأي والتاريخ. لم يعرف الصحابة ولا التابعين هذا الجمود، بدئًا من الخلافة الراشدة التي تجلى فيها إعمال العقل في مواقف كحروب الردة وإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم وتعطيل حد السرقة في عام الرمادة…
ضرب الخلفاء الراشدون أمثلة في مواكبة العصر وتغيراته. لكنا لم نأخذ اجتهادهم منهجًا، بل اعتنقنا ما وصل إليه الأقدمون بعقلهم وساوينا بينه وبين الوحي.
لهذا عندما يصطدم المسلم بحاضر لا يشبه التاريخ، يُفَسَر اجتهاده علمانية. وربما كان هذا الاجتهاد من صميم العقيدة.

كانت طلقة الخلاص مع تغريدة “استيطان الأندلس”. من يتكسب من الصدام الحضاري؟
لكل صدام حضاري منتفعيه. وحدهم الأقوياء وأصحاب الاستراتيجيات قادرون على الاستفادة من الظروف المحيطة بهم.ولسوء حظ العرب أنهم ضحية أي خلاف في هذه الحقبة، شأن المستضعفين دومًا.

لماذا اخترت أن يستمر “نوح” في حياة النجومية من نبوءات نوسترادموس؟
هو نموذج لمن ذاق النجاح والمال بعد طول تهميش وشظف. وما نال هذه المنزلة إلا بفضل تفسيره لنبؤات نوستراداموس. ليس من الممكن أن يتنازل عما وصل إليه.

يمثل البروفيسور الفرنسي صوت الضمير الغائب عن السياسة.. فهل “الخوف” بالفعل محرّك الشعوب؟

الخوف أفضل محرك للإنسان إن أُحسِن استغلاله. ونعم الخوف من الهجرات له ما يبرره، فهو يؤثر على ديموغرافية المهجر وثقافته واقتصادياته.لكن يرتبط هذا الخوف أكثر بالجهل بالتفاصيل. فمثل هذه التغيرات على مر العصور لم تكن دومًا شرًا على شعوبها. ولا تختص فرنسا أو أوروبا بتلك الظاهرة، المراقب للمشهد المصري يرى نفس الخوف لدى البعض، من نزوح أشقاء عرب. وكما لا يمكن اعتبار الزينوفوبيا صفة سائدة في المصريين، لا يمكن تعميمها أيضًا على أي شعب آخر.

اقرأ أيضا:

أدباء عن “سان دوني”: لوحة إنسانية تعانق زمن الغربة

في “مستر ولا شي” .. نوبل والهوس العربي بالاعتراف

أحلام للبيع في عالم “الجلاب”

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=25158

موضوعات ذات صلة

آثار جنوب سيناء تستقبل مبادرة جيل جديد

هدير عادل

هل يُعيد البابا تواضروس كتابة تاريخ الكنيسة القبطية؟

حازم رفعت

27 دائرة بـ10 محافظات تحسم “النصاب” البرلماني

أيمن مصطفى

إزالة إشغالات كوبري الساعة بالإسكندرية

أيمن مصطفى

أندريه زكي: خدمة الأسرة مسؤولية تتطلب انضباطًا

حازم رفعت

رنا هاني: “دائرة الأمان” درع لحماية الطفل

سارة الدسوقى