ثقافة وأدبسليدر

السراج: ملحمة النار والطين لمواجهة مخططات “أسد” المسمومة

 لم يعد التاريخ مجرد حبرٍ جاثم على ورق العصور، بل تحوّل إلى ساحةِ معركةٍ حية، تُستباح فيها الهويات وتُصاغ فيها العقول من جديد. في زمنٍ صار فيه تزييف الوعي مادةً درامية جاذبة، تتدثر بأثواب الفن لتمرير أجندات السلب والمحو، تستهدف وجدان الأمة وعمقها الحضاري، يبرز السؤال الوجودي: كيف نحمي الذاكرة الوطنية من رياح التزييف وشظايا “الأفروسنتريك”؟

التقت “صوت البلد” بصانع المحتوى أحمد السراج الذي آمن بأن الصمت في حضرة تشويه الحقائق هو تواطؤ، فاستلّ قلمه وفكره ليطلق سلسلته التاريخية والفنية البارزة “ملحمة النار والطين”. لم يقف مغلول اليدين أمام ضخامة الإنتاجات السينمائية الموجهة لفيلم “أسد”، بل استدعى خوارزميات الذكاء الاصطناعي ليطوعها كأداة للمقاومة الثقافية، معيدًا بناء مستنقعات البصرة وأمجاد التاريخ بجهد فردي وعزيمة صلبة.

هذا الحوار عن تجربة رائدة في النقد التاريخي البصري، بطلها مبدع فردي، واجه المخططات المفضوحة بذكاء تكنولوجي خالص. واستطاع تطويع الآلة لخدمة الملامح العربية، وخاض معركته المعقدة ضد تقنيات التغريب الرقمية لإنتاج محتوى يحمي النشء ويعيد صياغة الوعي ويواجه المخططات المفضوحة. إنها شهادة حية على أن الإرادة الصادقة والوعي اليقظ قادر على صنع سينما بديلة، تعيد صياغة المستقبل بمدادٍ من الحقائق الراسخة والخصال الحميدة.

ادعاءات مضللة

بداية، ما الذي دفعك تحديدًا لتقديم “ملحمة النار والطين” للرد على فيلم “أسد”؟

رسالتي الأسمى هي حماية جيل كامل من النشء ضد محاولات التجهيل، وتسطيح الأفكار، وتزييف التاريخ ومحو الهوية الوطنية والعروبة.

أما الدافع الأول لإنتاج هذه السلسلة، فهو محاربة الأعمال التي يخدع ظاهرها الجاذب ما يحويه باطنها من تأويلات خبيثة ورسائل مبطنة، لا سيما في توقيت بالغ الحساسية يشهد محيطًا سياسيًا مشتعلًا، وضغوطًا لسرقة تاريخ مصر وحاضرها ومستقبلها. فيلم أسد يحمل أطروحات شاذة تعزز ادعاءات مضللة عن الحضارة المصرية، تخدم أجندات جهات معلومة للجميع.

وإنتاجه في هذا التوقيت الذي تتصاعد فيه حملات جماعات “المركزية الأفريقية” (الأفروسنتريك) ضد مصر وحضارتها، يثير تساؤلات مشروعة عن أهدافه الحقيقية. وهنا نتساءل: من المستفيد من رسائل التحريض التي يبثها الفيلم في عقل المتلقي؟ خاصة في ظل وجود ملايين الضيوف واللاجئين الذين اندمجوا داخل المجتمع المصري، بينما يلتحف بعضهم كذبًا بدعاوى الاضطهاد والعنصرية.

مخططات مفضوحة

كم استغرق منك البحث والتحضير لجمع المادة التاريخية لثورة الزنج؟

لم يستغرق التحضير وقتًا طويلًا بفضل التطور التكنولوجي المتسارع الذي يختصر زمن البحث والتمحيص. علاوة على ذلك، فإن محاولة صانعي الفيلم إقحام ثورة الزنج كحقيقة مسلمة ضمن سياق التاريخ المصري -على غير الحقيقة- خلقت لدي دافعًا مضاعفًا لتسريع وتيرة العمل، لتقديم رد علمي وفني لائق يفند هذه الادعاءات.

صناعة محتوى تاريخي بديل ردًا على عمل درامي ضخم قد يراها البعض مغامرة؛ هل ترددت قبل نشر الفيديو الأول؟

لم أتردد للحظة واحدة. مواجهة محاولات النيل من عظمة التاريخ المصري وتشويهه لصالح جماعات “الأفروسنتريك” والجهات الممولة لها هو واجب؛ فهذه الجماعات ليست سوى واجهات مضللة لتنفيذ مخططات باتت مفضوحة لكل ذي عين.

المساس بالثوابت

الفن غالبًا ما يتذرع بالضرورة الدرامية لتغيير الحقائق. أين ينتهي حق المخرج في الخيال الإبداعي، وأين يبدأ التزييف التاريخي من وجهة نظرك؟

ينتهي حق المخرج وحريته الإبداعية عند حدود الحقائق الثابتة والتاريخ المدقق الموثق بالمصادر والأدلة العلمية. يجب أن تنحصر مساحة الإبداع في تجميل الواقع التاريخي أو إضافة أبعاد درامية تضاعف من قيمة العمل وعمقه، دون المساس بالثوابت. هذا هو منظوري للدراما والسينما، وإن كان البعض لا يتقبله.

لاحظنا في سلسلتك استخدامًا لافتًا لتقنيات توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي؛ كيف ترى دور هذه التكنولوجيا في إعادة تجسيد المعالم التاريخية المعقدة (مثل مستنقعات البصرة والتجهيزات العسكرية) والتي يصعب إنتاجها بميزانيات فردية؟

الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي بات واقعًا حتميًا وملاذًا آمنًا للمبدعين وأصحاب المواهب الذين لا يملكون ظهيرًا إنتاجيًا أو تمويلًا ضخمًا يؤمن برسالتهم. حتى كبريات شركات الإنتاج العالمية أصبحت تتبنى هذا التوجه لترشيد التكلفة والتحكم بشكل أكبر في جودة العمل وصورته النهائية.

مشاهد من الملحمة

ما الأدوات والبرامج التي استخدمتها لتوليد فيديوهاتك؟

استخدمت عشرات الأدوات الرقمية للتحايل على محدودية الموارد وغياب الدعم المالي. تنفيذ مشروع تاريخي ملحمي يجسد حقبة تعود إلى 13 قرنًا مضت استدعى دمج أدوات متعددة: بدءًا من تصميم المشاهد وتحريكها، مرورًا بتأليف خلفية موسيقية تلائم أجواء العمل، وضبط نبرة صوت الراوي وتفاعله، وصولًا إلى المونتاج والإخراج لتقديم رؤية فنية متماسكة تلقى قبول الجمهور بمختلف فئاته وثقافاته.

قيود التغريب

ما التحديات التي واجهتك أثناء توليد الصور والمشاهد للحفاظ على الهوية البصرية التاريخية الصحيحة (من ملابس وبيئة وملامح عربية) دون الوقوع في فخ التغريب أو الأفكار النمطية التي تفرضها أحيانًا خوارزميات الذكاء الاصطناعي؟

واجهت تحديات معقدة، أبرزها الحاجة للاعتماد على برامج مدفوعة لم يكن متاحًا تمويلها في البداية، بالإضافة إلى القيود والمعايير الصارمة التي تفرضها تلك الأدوات على مشاهد بعينها. والتحدي الأكبر كان معالجة مشكلة التغريب وفرض الرؤية الثقافية لمؤسسي تلك التقنيات، والتي تخدم أفكارًا غربية محددة ولا تحيد عنها، مما تطلب جهدًا مضاعفًا لتطويعها لخدمة الهوية البصرية العربية والمصرية الشارحة لتلك الحقبة.

هل تعتقد أن السينما الرقمية الفردية المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة اليوم على سحب البساط من الإنتاجات الدرامية الضخمة وتشكيل وعي بديل لدى الجمهور؟

نعم، هي قادرة على تشكيل وعي بديل وموازٍ بنجاح. السينما الرقمية أصبحت فرضًا واقعًا، والمنطق يستدعي استغلال مزاياها الهائلة؛ وعلى رأسها خفض كلفة الإنتاج، وسرعة التنفيذ، والتطور التقني المتسارع الذي يتجاوز العيوب الفنية الحالية، والتي لا يلاحظها سوى المتخصصين.

مشاريع متنوعة

كيف كان استقبال الجمهور والمتابعين لعملك؟

حاز العمل على إعجاب وتقدير قطاع عريض من المثقفين والمتخصصين، برغم أنه أُنتج بلا ميزانيات تتيح المزايا التقنية القصوى. وتجاوزنا هذه الإشكالية بفضل الخبرة المكتسبة في التعامل مع هذه الأدوات، والرؤية الفنية التي قلصت الأخطاء البصرية إلى حدها الأدنى.

ماذا عن أعمالك المستقبلية، هل سنرى هذا الأسلوب خطًا ثابتًا في قناتك مستقبلًا؟

بعيدًا عن النقد التاريخي وتفنيد المغالطات، لدي طموحات ومشاريع متنوعة نفذت بعضها بالفعل، مثل سلسلة البروفيسور عبقرينو، وهو مسلسل أنيميشن توعوي علمي وصحي يسلط الضوء على الأخطاء التي تهدد صحة الإنسان والتعريف بالأعراض الحرجة.

هناك أيضًا مسلسل أنيميشن تربوي يهدف لغرس الخصال الحميدة في النشء ومعالجة الأخطاء السلوكية للكبار التي تنعكس على الأطفال، بالإضافة إلى مشروعات دينية وفنية وغنائية تستهدف الارتقاء بالسلوك وتهذيب الوجدان.

كل هذه الأعمال هي نتاج جهد فردي بلا تمويل، ونطمح لتطويرها لتقديم بدائل محلية موثوقة وصادقة النوايا، في ظل واقع افتراضي مسموم يسعى لمحو هوية الجيل الجديد وهدم الاستقرار المجتمعي.

اقرأ أيضًا:

إعلانات المنتخب.. عامل مناجم بآيفون ومشجع فهلوي انهزامي

جدران تنطق بالثورة.. “قاذف الزهور” لوحة تتحدى الاحتلال

أسرار “الصرخة”: لماذا يشبهنا ساكن اللوحة المشوه؟

فيلم “برشامة”.. سيميائية العبث وميثولوجيا الغش

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20271

موضوعات ذات صلة

الشباب والرياضة تعلق على بيان النيابة بشأن أرض الزمالك

محمود المهدي

د. محمد عيسوي: هكذا أصبحت العربية لغة خالدة

المحرر

الوادي الجديد تقترب من تدشين أول مركز متكامل لعلاج الإدمان

أحمد الفاروقى

أقراط ذهبية نادرة في كشف أثري ب هليوبوليس

نجوى سليم

مجاناً دخول قصر الأمير محمد علي بالمنيل

المحرر

طلب إحاطه يحذر من تراجع هيبة المعلم

غادة سعد