عبر مشروعه السردي، استطاع الروائي عمرو دنقل أن يميط اللثام عن تحديات المصريين التي تشكلها عقود تاريخية متعاقبة وصولا للحظة الراهنة، وذلك عبر بناء درامي يكشف أسئلة البشر وصراعاتهم لأجل البقاء. كانت روايته “نادي الأربعين” تأملا صافيا في أزمة منتصف العمر؛ ثم انطلق لأسئلة أكثر ارتباطا بالمجتمع مع روايته “فيلا القاضي” حيث يكشف بلا مواربة عالم النخب الفاسدة والتي اتحدت مع طيور الظلام لإجهاض أحلام البسطاء. أما رواية “عكس اتجاه الصخب” فيمثل فيها البطل طاهر علوي، الطبيب النفسي، أعراض القلق الجمعي بعد إحباطات عقود طويلة تصب في ميادين الثورة.
ومن هنا يلتقي إبداع دنقل القادم من جنوب مصر، في الحاجة لاستعادة ذاكرتنا وإنسانيتنا التي تزداد هشاشة بمرور الزمن.. في السطور التالية حوار مع المبدع المصري
تركز “فيلا القاضي” على عقدي الثمانينيات والتسعينيات، فهل تعكس تغيرا في الحياة بمصر؟
في فيلا القاضي نرى تحالف ثلاثي السياسة والمال والدين لإدارة الصفقات في الخفاء وصنع قرارات يشارك فيها كبار رجال الحزب وقد كان هذا الوضع قائما في بلدنا لعقود طويلة، وقد عبّرت عنه بجلسة الأنس يوم الخميس في فيلا القاضي والأحاديث التي يختلط فيها هذا المزيج من الصفقات مع التحلل الأخلاقي، وسط غيوم الحشيش وكأنها حالة من تغييب عقول الناس.
لقد شهدت تلك الفترة أيضا ذروة موجات التكفير وانخداع قطاع كبير من الشباب بأدبياتها، ولو نظرنا لشخصية “كريم البيضا” والذي انتقل من خلفيته العائلية شديدة البؤس والانحراف، ليقتنع فجأة بالانضمام لجماعات التكفير، سندرك عمق الأزمة التي عاشها مجتمعنا، ولهذا اخترت تلك الفترة التي شهدت تحولا كبيرا بين انخداع الناس في المتطرفين ثم صحوتهم وهبتهم لحماية المجتمع منهم بعدما طالت يد الإرهاب الآثمة ضحايا أبرياء.
ولكنك تشير لبؤر مضيئة في تلك المرحلة أيضا!
بالطبع في تلك المرحلة كانت هناك مشروعات هامة قامت بها الدولة ومنها “القراءة للجميع” والاهتمام بقضايا المرأة، والتي أشرت لها في الرواية وقد ساهمت في نشر الوعي، إضافة لزيادة الوعي الأمني والإعلامي بظاهرة الإرهاب والتركيز عليها في الدراما كما رأينا أفلام “الإرهابي” و”طيور الظلام” ونحوها، وكلها ساهمت في تشكيل حالة وعي.
تبدو مديحة البطلة الفقيرة مسرحا لابتزاز سيد الفيلا وزوجته.. فهل هي رمز للأحلام المجهضة؟
نعم إلى حد كبير؛ ولهذا فإنها برغم كونها فتاة مثقفة ومبدعة لكنها تتعرض لابتزاز جسدي من الطبيب والسياسي سعيد بيه القاضي في مقابل رعايته لابنتها المريضة، وهو هنا يجسد السلطة التي تخفي بئرا من الانحلال والفساد والرشوى وراء صعوده في الحزب المهيمن آنذاك. أما “سامية” زوجته فقد عوضت فشلها الزوجي بمحاولة خلق نجومية مزيفة باستغلال موهبة مديحة في الكتابة والسطو على إبداعها، مقابل المال، وعادة ما يحدث هذا الابتزاز للبسطاء حين تجتمع الثروة والسلطة والفساد.
من جهة أخرى فإن مديحة ابنة الطبقة المحرومة التي تتعرض لشتى أصناع التعنيف والتهميش تضطر للجوء لكيانات الأثرياء هربا من واقعها الأليم، لكنها ظلت تحلم باستقلالها تماما كما عبرت حين تذكرت نساء إحسان عبد القدوس في رواياته.
هل يمثل المثقف “عودة” حبل النجاة في الرواية؟
بالفعل؛ فرجب عودة هو رمز النخب النزيهة من مفكرين وأدباء نحتاج إليهم كضمير لمجتمعنا قبل السقوط في الهاوية، ولذا نراه يسعى لتقديم يد العون لمديحة بكل تجرد. وهو نموذج لحائط الأمان الذي يتعرض لأشكال التهديد أيضا كما رأينا من محاولات اغتياله من التيارات المتطرفة التي تكفره، كما أنه يظل في صراع بخصوص علاقته بالسلطة كما رأينا علاقته المتأرجحة بسعيد القاضي. ولا ننسى أن معظم شريحة الكتّاب يعانون من الغلاء وتراجع الخدمات مثل فئات الشعب الكادحة.
في روايتيك الأحدث تلجأ لتعددية الأصوات الساردة، ما الذي تحققه لك؟
تعد تقنية السرد بالمتكلم من أمتع التجارب وأصدقها بالنسبة لي لأنها تجعلني أكتب بعين البطل ذاته وأدلف إلى عمق دوافعه ومشاعره دونما محاكمة أخلاقية. فحين كتبت عن سامية ابنة الطبقة الراقية المفتونة بجمالها الذي لا يلتفت له المقربون وشعورها بالضياع، كنت أكتب بوعيها ولا أحاكمها، وهو ما فعلته حتى مع شخصية الإرهابي، لأننا إذا أردنا محاربة الإرهابي لابد أن نقترب من دوافعه، فهو يؤمن أنه يفعل الخير للبشرية ولا ينظر لما تقترفه يداه من جرم عظيم، بل وقد جعلته حين يستمع القرآن يفسر الآية بأنها تشجعه على إتمام عمليته باعتبار أن ربه سيتولى ذريته الضعاف، وهو تأويل تلك الجماعات الذي يغسل عقول أتباعها في حين أن ديننا بريء من كل تلك الدماء.

تئن ذاكرة بطل “عكس اتجاه الصخب” بنصف قرن من النكسة.. كيف تغلبت على تلك العقدة؟
في هذه الرواية التي تبدأ زمنيا مع ثورات الربيع العربي، تعمدت أن تعكس ذاكرة البطل الطبيب النفسي ماضيه الذي يشتبك بأحداث مصرية وعربية تأرجحت بين الآمال والخيبات العظيمة. كانت إضاءات الذاكرة البعيدة تعينني على أن أقترب من إيمان هذا البطل بالقومية العربية وأغاني “الوطن الأكبر” ومع سفر شقيقته للعراق نستشعر صدمة نكسة يونيو في الستينيات، والتي شكلت زلزالا مدويا، وكيف تحول الموقف بعد 6 سنوات مع نصر أكتوبر المجيد، ثم كيف سارت السفن فيما تشتهي السياسة، وكيف وصلنا للحظة احتلال أمريكا للعراق ومن ثم أمكننا فهم اتجاه البطل بعيدا عن اتجاه الصخب لما قامت الثورات وشعر أنه دوره لم يعد بين هؤلاء! هنا تعكس الرواية اقترابا من السؤال: هل حب الوطن مجرد شعارات أم انعكاس لشعور حقيقي بالانتماء والكرامة؟.
وما دلالة اختيار ضمير “الراوي غير الموثوق” الذي يمثله الطبيب النفسي؟
في كل رواية يكون اختيار اللغة والسارد هو محصلة لبيئتها وعالمها الخاص. وقد جلست مع أطباء نفسيين واكتشفت أنه حتى الطبيب منهم قد يصاب بحالات نفسية تختلف شدتها وتلعب العوامل الوراثية دورا في ذلك، والاستعداد أيضا، ولهذا جعلت طاهرا ينتمي لأب يعاني من أزمة نفسية أيضا. لكن الجنون هنا والهذيان هو رمزية لواقع يعاني الاضطراب في عالمنا الثالث وفي قلبه الأمة العربية، ويخلف أشخاصا مضطربين يشبهونه، ولهذا نرى أن طاهر يروي أشياء وينفيها ويعكس وعيه عمقا ثقافيا يسير بالتوازي مع اضطراب واضح في الذاكرة والوعي.
نشهد زخما هائلا في الكتابة الروائية بمصر، فهل تعكس صحوة إبداعية؟
نعم أرى أنها حالة إيجابية مع ازدياد عدد الكتاب والقراء وهو أمر يصب لصالح الأدب، حتى لو كانت بعض الكتابات سطحية ولا تتخطى تغريدات مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبح لها نجومها لكنني أرى أنها تتجه بالشباب للقراءة بدلا من تغييب الوعي. وأرى أن كل نمط من الكتابة يحصل على جانب من كعكة القراء؛ فلا ينبغي أن نتوقع ان يتجه الشباب جميعا للأدب الحقيقي ذو الطابع الفلسفي والتاريخي، بل ستظل النسبة الغالبة تتجه للأدب المثير بمعايير العصر، وشيئا فشيئا تتطور ذائقة الكثير منهم لما هو أعمق وتنمو معهم ذائقة الكتاب أنفسهم.
اقرأ أيضا
أوراق العربي المهزوم في “ميادين الصخب”
فاطمة العوا: حكايات الإنسان قارب للنجاة زمن الحرب
30 عاما من إبادة البوسنة.. رحلة في ذاكرة الحرب
