منوعات

فن التخلي.. يكمن السر في التركيز على ما يمكنك فعله

 

لا شك أنك سمعت هذا من قبل – من الأصدقاء أو العائلة أو حتى من نفسك – الذين يقولون: أتمنى لو أستطيع التخلي عن هذا! قد يكون هذا الشيء غضباً أو استياءً أو ندماً؛ أشياء تنبثق من الماضي، كيان عاطفي أو موقف لم يُطوَى صفحته ويستمر في مطاردتهم أو مطاردتك، مُولِّداً أفكاراً مُلحّة ومشاعر مؤلمة تجري كتيار جارف في حياتهم أو حياتك، تسحب ضحاياها إلى الأسفل.

نتخيل عملية التخلي كبالون هيليوم كنا نمسكه بشدة لفترة طويلة، وأخيراً، بطريقة ما، نُفلت قبضتنا، فيطير بعيداً عن أذهاننا إلى الأبد أو، إذا فكرت في التخلي كحملة شخصية عليك العمل عليها، وتحقيقها، فإن الصورة أشبه بمصارعة كائن ضخم يزن 400 رطل، عليك دفعه خارج عتبة وعيك لكن فن التخلي لا يتعلق بالبالونات أو القوة، بل بشيء آخر أدرك أن الأمر لا يتعلق بتغيير أفكارك ومشاعرك.

نعتقد عادةً أن أفكارنا ومشاعرنا هي التي تحرك سلوكنا: لو لم يعاملوني بهذه الطريقة، أو لو لم أشعر بهذا الاستياء والغضب، لكنت أكثر تقبلاً ومحبةً لصديقي وشريكي وأطفالي، هذا التفكير يجعل تغيير أفكارك ومشاعرك هو الحل: إقناعهم برؤية الأمور كما أراها، أو إيجاد طريقة للتخلص من هذا العبء الثقيل، هو المخرج الوحيد لكن عليك أن تدرك أن سلوكياتك هي التي تُبقي مشاعرك مكبوتة.

مع أن هذا مفهوم، إلا أنه طريق وعر، فالأفكار والمشاعر متقلبة: أفكارنا، وإن بدت منطقية في كثير من الأحيان، قد تتغير فجأة؛ ومشاعرنا ليست شيئًا نتحكم فيه بشكل مباشر -لا يمكنك، مثلاً، أن تُجبر نفسك على الشعور بالسعادة- ما نستطيع التحكم فيه هو سلوكنا.

تُكوّن الأفكار معتقدات يصعب التخلص منها، فتُغذي المشاعر التي تُشكّل سلوكياتنا، لكن السلوكيات الناتجة هي التي تُبقي المشكلة قائمة في كثير من الأحيان: فمعتقداتك حول سلوك الطرف الآخر تُكوّن لديك قصة – شريكي لا يُبالي بي، طفلي لا يُقدّرني – حول نواياهم التي تبدو منطقية لك، مما يجعلك تشعر بالغضب أو الاستياء أو الندم ثم ينعكس هذا على سلوكك، فيجعلك غاضبًا أو ناقدًا، أو يدفعك للابتعاد والتجنب، مما يُفاقم المشكلة ويُزيد من سوء العلاقة، ويُحقق نبوءة ذاتية التحقق: فهم يُقاومون أو يتراجعون، مما يُضيف إلى ما كان موجودًا بالفعل ويُؤكده لذا ركّز بدلًا من ذلك على تغيير سلوكك.

لأنك لا تستطيع سوى تغيير سلوكك بشكل مباشر، ابدأ من هناك، تخلَّ عن القصة ومحاولة السيطرة على مشاعرك، وركّز بدلًا من ذلك على سلوكك، هكذا تكسر هذه الحلقة المفرغة المُختلة. لكي تتخلص من الأمر حقًا، تصرف كما لو أنك قد تخلصت منه.

ابدأ بتخيّل كيف سيبدو الأمر بشكل ملموس لو اختفى الاستياء والندم والغضب فجأة الآن، نفّذ ذلك، نعم، قد يبدو الأمر وكأنه محاولة للتظاهر حتى تتقنه، ستثور مشاعر القلق والغضب للحظات – ماذا تفعل؟ إنها لا تستحق هذا – لكن تحمّل وافعل ذلك على أي حال.

إذا فعلت، ستتخلص من الوقود، وتكسر الحلقة المفرغة، ومع مرور الوقت، ستلحق المشاعر بالركب وتتلاشى، أنت تُغيّر الماضي من خلال الحاضر، وهو الشيء الوحيد الذي تملك السيطرة عليه،هذا هو سرّ التحرر، قد لا تزال تفكر في الماضي ولا تزال تشعر بوخزات من المشاعر السلبية.

قد تأتي هذه المشاعر وتذهب – خاصةً إذا كنت تعاني من ضغوطات أخرى في حياتك، يمكنك ملاحظتها، لكنها لن تُعيقك بعد الآن لأنها لم تعد تُشكّل نسيج حياتك اليومية، بالفعل، بتغيير سلوكك، تكون قد تخلّصت من عبء الماضي. الكائن الذي حاولتَ طويلاً طرده من عقلك سيصبح الآن أصغر حجماً وأقل تهديداً  لقد بذلتَ قصارى جهدك، ببساطة، لن تُبالي كثيراً،  لقد أتقنت فن التخلي.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20807

موضوعات ذات صلة

آبار صلاح الدين تكشف أسرار الحياة بالقلعة

نجوى سليم

هل أنت رومانسي؟

أيمن مصطفى

مصر.. ضمن أفضل 5 وجهات للسفر الفردي في 2025

المحرر

عام الجريمة 2024.. حكايات دماء خطّت وجع مصر وأطلقت نداء إنقاذ عاجل

المحرر

تراث المتوسط بالإسكندرية للترويج السياحي

المحرر

يوم اليتيم يتجاوز حدود التعاطف والمواساة

أيمن مصطفى