ثقافة وأدبسليدر

أحمد عبد الفتاح: حولت معاناتي لبحث يخدم المكفوفين

تتحول اللغة حين تُسلب منها إمكانية الرؤية البصرية من مجرد وسيلة للتواصل إلى وطنٍ يُعاد بناؤه بالحواس؛ فالكلمة بالنسبة للكفيف ليست رسمًا يقع عليه البصر، بل كيانٌ يُلمس، وصوتٌ يُسمع، ومساحةٌ تُقاس بحجم الأثر لا بعدد المجلدات.

من هذه النقطة التماسّية الحادة بين دقة اللسانيات ومعاناة الإتاحة، أنطلق د. أحمد عبد الفتاح، الفائز بجائزة الدولة التشجيعية، في بحثه: تيسير استخدام المعجم العربي لذوي الإعاقة البصرية: تحليل المشكلات واقتراح الحلول في إطار علم الصناعة المعجمية.

في هذا الحوار، تتقصّى معه “صوت البلد” المسافة الفاصلة بين جمود المعجم التراثي ومرونة الذكاء الاصطناعي، وتفكك الإشكالات التقنية واللغوية التي تواجه الباحثين من ذوي الهمم؛ في محاولة جادة لإعادة صياغة العلاقة بين المعجم العربي وقارئ الشاشة، بعيدًا عن الشعارات المستهلكة، وبحثًا عن حلولٍ علمية جذرية تمنح المعرفة حقها الأصيل في الشيوع والعدالة.

ماذا يمثل لك تتويج بحثك الذي يجمع بين دقة اللسانيات وسمو الهدف الإنساني بجائزة الدولة التشجيعية؟

كل إنجاز أو نجاح هو بتوفيق الله وحده، وليس لنا فيه منّة ولا فضل، فالحمد لله -جل وعلا- على فضله وكرمه.

حينما تلقيت الخبر غمرني فرح عظيم بهذا التقدير الرفيع الذي يُحرّك دوافع العطاء العلمي، ويسهم في الارتقاء بالبحث الأكاديمي وخدمة الوطن. ولا شك أن التقدير الرسمي يمنح أي دراسة زخمًا وقيمة مضاعفة، ولا سيما حين تسعى لتذليل العقبات أمام فئة مجتمعية عانت طويلًا من التهميش ونقص تكافؤ الفرص في الحصول على تعليم جيد، وهو ما سلطتُ عليه الضوء من زاوية التخصص في الصناعة المعجمية.

معضلة الحجم

دافعك لخوض هذا المعترك البحثي، هل كان تجربة شخصية أو ملاحظات ميدانية حول صعوبات تعامل المكفوفين وضعاف البصر مع المعاجم؟

أحبُّ أن أوضح -بدايةً وبكل فخر- أنني أنتمي لهذه الفئة؛ فقد تخرجتُ في مدرسة طه حسين للمكفوفين عام 2011م، وعانيتُ كغيري من ذوي الهمم من صعوبة التعامل مع المعجم الوجيز المطبوع بطريقة برايل، والذي كانت تتيحه الوزارة لطلاب الثانوية العامة. كانت أزمتنا في حجمه المفرط الذي يتوزع على 13 مجلدًا ضخمًا، وهو ما يناقض وصفه بالوجيز!

حين التحقتُ بقسم اللغة العربية بكلية الألسن جامعة عين شمس، وغصتُ في أعماق التراث اللغوي بمعاجمه المتخصصة والموسوعية، أدركتُ أنه كان وجيزًا بالفعل مقارنةً بحجمه في الطباعة التقليدية، ولكن ظلّ السؤال يؤرقني: لماذا يبدو بهذه الضخامة عند تحويله إلى برايل؟

تكثّف هذا السؤال في عقلي مع تخصصي في الماجستير والدكتوراه، وصار هاجسًا: ماذا لو حاولنا طباعة لسان العرب أو المعجم الكبير؟ ومن بوابة معضلة الحجم دخلتُ إلى إشكالية تعامل الكفيف مع المعاجم عمومًا -سواء الورقية المطبوعة أو المرقّمنة (PDF) عبر الحاسوب- فكانت هذه الدراسة.

شح الدراسات 

ما أصعب التحديات التي واجهتك أثناء إعداد الدراسة؟

أبرز تحدٍّ واجهني تمثّل في الشحّ الشديد في الدراسات البينية التي تجمع بين الصناعة المعجمية، كفرع من اللغويات التطبيقية، ومجال الإعاقات البصرية، ضمن علوم التربية الخاصة؛ فلم أعثر على دراسة سابقة تتناول هذين المجالين معًا، كما لم يتطرق الخبراء في مجال الإعاقة البصرية -على حد علمي- إلى تيسير المعاجم بما يلبي تطلعات الباحث الكفيف. وبناءً عليه، اعتمدتُ في جزء كبير من البحث على الخبرة الذاتية وتجارب الأصدقاء الميدانية، وهي -في تقديري- أكثر واقعية من الكلام النظري.

ما أبرز العقبات اللغوية والتقنية التي كشفت عنها الدراسة وتواجه الكفيف عند تعامله مع المعاجم الورقية أو الرقمية؟

تتلخص هذه العقبات في خمس مشكلات رئيسة، وهي: ضخامة الحجم الناتجة عن طبيعة خط برايل الذي لا يقبل تصغير الأحجام. والتعامل مع التنسيقات والرموز كتقسيم الصفحات إلى أعمدة، وتلوين المداخل، أو إبرازها ببنط ثخين. وتعقيد البحث وصعوبة الوصول للكلمات داخل المجلدات أو الملفات. بالإضافة إلى التعريفات البصرية وكيفية معالجة الشروح والتعريفات المعجمية التي تعتمد كليًا على الصورة. وضعف التوافقية البرمجية وعدم توافق العديد من المواقع والتطبيقات المعجمية مع برامج قارئات الشاشة.

الصناعة المعجمية

طرحتَ حلولًا من منظور علم الصناعة المعجمية.. هل تعتمد هذه الحلول على إعادة هيكلة المادة وتيسير الجذر، أم على تطوير الواجهات وقارئات الشاشة الذكية؟

الحلول مسار متكامل؛ فجزء منها يكمن في صياغة تعريفات تتيح البُعد غير البصري وتراعي إدراك الكفيف، لكن الجزء الأكبر يرتكز على الجانب البرمجي، وذلك عبر تطوير تطبيقات تتوافق كليًا مع قارئات الشاشة. ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين التعرف الضوئي على الصور ووصفها بدقة. وتوظيف الهندسة الصوتيّة لإضافة أصوات محاكية للبشر، تقرأ محتوى المعجم مشكولًا شكلاً تامًا ومستوعَبًا.

تُعرف المعاجم التراثية بصعوبة البحث حتى بالنسبة للمبصرين؛ كيف يمكن للصناعة المعجمية الحديثة جعل المعجم العربي متاحًا ومرنًا دون الإخلال بثرائه؟

في رأيي، إن كل قفزة في الصناعة المعجمية إنما تؤكد عبقرية المعجميين العرب القدامى والهمة العلمية الفذة التي أسست هذا التراث؛ وكلما تعمق الدارس في هذا العلم تكشفت له أسرار تلك الذخائر.

أما عن تيسيرها، فقد وفرت التقنيات الحديثة حلولًا مذهلة؛ مثل المحركات والمواقع الجامعة كموقع “المعاني”، حيث يكفي إدخال الكلمة ليقوم النظام بالباقي ويستخرج الشروح من أمهات المعاجم. كما أتاحت المعاجم التاريخية الحديثة -مثل المعجم التاريخي للغة العربية الصادر عن اتحاد المجامع، ومعجم الدوحة التاريخي- تتبّع التطور الدلالي للألفاظ، مما أروى شغف الباحثين للغوص في أصول اللغة بمرونة وسلاسة دون المساس بأصالتها.

مستقبل واعد

 إلى أي مدى يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي المعالجة للغة العربية اليوم تحويل مقترحات بحثك إلى واقع ملموس؟

للذكاء الاصطناعي مستقبل واعد في صناعة المعاجم؛ وقد ركّزت دراستي على الإمكانات الهائلة التي يوفرها حاليًا، وبخاصة: الوصف الآلي الدقيق للصور والرسوم التوضيحية. والتعرف الضوئي المتقدم على الحروف؛ لاستخراج النصوص العربية بدقة من المعاجم الممسوحة ضوئيًا. والتوليد الصوتي الطبيعي؛ لاستخدام خامات صوتية بشرية فائقة الجودة في قراءة المعاجم المطبوعة والمشفيّة.

ما مشروعك البحثي أو المعجمي القادم الذي تعمل عليه حاليًا؟

شَرِفتُ بكوني أحد المشاركين -بجهدٍ متواضع- في تحرير مواد “المعجم التاريخي للغة العربية”، وأتطلع حاليًا إلى مواصلة الإسهام في تنقيح مواده وتطويرها باستمرار؛ لإخراجه بالصورة التي تليق بعظمة لغتنا الشريفة وتلبّي احتیاجات قارئيها.

 

اقرأ أيضًا: 

حسين سعيد: “غصنُ السماءِ” يُعيد للمسرح نبضهُ الشعري

عبد الكريم الحجراوي: السرد يصنع أساطير المغامرين

يونس أبو سبع: “ضبابٌ يا أبي” استجارة من القسوة

صاحب مدرسة الجن: “أخيطُ الشيبَ ظلًا” لأهزمَ مرآةَ الزمنِ

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23447

موضوعات ذات صلة

قلق مستعمل.. أن تنجو من شبح يسكنك

شيماء عيسي

العربية.. لسان حضارتنا الذي يحيا بنا وفينا

شيماء عيسي

المتر سمير… كوميديا المفارقة بين قاعة المحكمة وأزمة القلب

حسن عبدالعال

مواجهة المحلة.. الزمالك بدون 11 لاعب بسبب الغيابات

محمود المهدي

د. صفاء برعي: النصوص التراثية لفهم قضايا معاصرة

المحرر

د. خالد أبو الليل: جائزة التفوق تكريم للبسطاء.. ويحذر

المحرر