بين مِشرط الناقد وعين المبدع تسكن مسافةٌ ضوئية، لا يقطعها إلا مَن أوتي جسارة التوغل في عتمة النصوص واستنطاق مسكوتها. والنقد الأدبي، في جوهره الأعمق، ليس مجرد قراءة واصفة أو محاكمة باردة للبنى والأساليب، بل هو فعلُ كشفٍ وجودي، وتفكيكٌ لسياسات الوهم التي تُغلف الوعي الإنساني. إنه ذروة الوعي بالذات وبالآخر، والمختبر المعرفي الذي تتحول فيه الكلمة من سياقها المحلي العابر إلى أفقها الكوني الرحب.
في هذا الحوار الممتد مع د. تامر عبد العزيز، أستاذ البلاغة والنقد الأدبي، في كلية دار العلوم بجامعة المنيا، تلتقي “صوت البلد” بوعيٍ نقديٍّ متوجٍ بالصدارة في جائزة باشراحيل الأدبية، استطاع أن يعبر بالدراسة الأكاديمية من نمطيتها المكررة إلى آفاق أدب الرفض ومناهضة القهر الإمبراطوري. فمن عتبة الفوز المستحق بالمركز الأول، يفتح لنا الباحث نوافذ أطروحته الفائزة “التمثلات السردية للرفض في رواية في انتظار البرابرة: دراسة في النص المترجم”، للكاتب العالمي “جيه إم كوتزي”؛ حيث يغوص عميقًا في جماليات المترجم بوصف الترجمة متخيلًا سرديًّا جديدًا ونقلًا ثقافيًّا بامتياز، مرورًا بسيميائية الجسد المقموع، وصولًا إلى تشريح شجاع ومكاشفةٍ صريحة لأزمات المشهد النقدي العربي المعاصر؛ تأرجحه بين التبعية للمناهج الوافدة وفوضى المصطلحات، وتطلعه إلى استعادة العقل المفكر المستقل من خلال مشروعات بكر تلامس الهوية وخصوصية السرد.
نبارك لكم الفوز بالمركز الأول في فرع النقد الأدبي؛ كيف تلقيتم خبر التتويج بقمة هذا الفرع الحيوي؟
في الحقيقة، فرحة الفوز شعور لا يضاهيه شيء، وتتضاعف هذه السعادة حين تجد من يشاركك هذه اللحظات الجميلة بصدق وكأنه هو الفائز.
تمنيت بشدة أن تكون والدتي -رحمها الله- حاضرة لتشهد هذا الإنجاز، ولذا أهدي هذا الفوز إلى روحها الطاهرة؛ إذ جاءت البشرى بلسمًا طيب قلبي في ذكراها. كما لا يفوتني أن أشكر إدارة الجائزة، ولجنة التحكيم، وكل من غمرني بتهانيه الصادقة.
لقد بدأت الرحلة حين بشرني صديقي الدكتور محمد حسانين بوصول العمل إلى القائمة الطويلة، ثم تابعت إعلان الفوز بالمركز الأول عبر الصفحة الرسمية للجائزة، وهي غاية كانت تتطلع إليها عيني. أن يأتي عملك في صدارة 130 عملًا مشاركًا هو شعور يمزج بين السعادة البالغة وعظم المسؤولية، ودافع لبذل المزيد من الجهد، واعتراف بفضل أساتذتي؛ وهو قبل كل شيء منّة ونعمة من الله تستوجب دوام الشكر والحمد.
أدب الرفض
اخترتم رواية عالمية رفيعة مثل “في انتظار البرابرة” للكاتب “جيه إم كوتزي” لتكون محورًا لأطروحتكم الفائزة؛ ما الذي دفعكم لاختيار هذا العمل تحديدًا؟
إن من أهم ركائز نجاح أي دراسة نقدية هو الاختيار الدقيق للنماذج التطبيقية، بل إن هذه النماذج تمثل أحيانًا الوقود المحرك لفكرة الدراسة، لاسيما إن كانت لمبدعين استثنائيين. والكاتب الجنوب أفريقي “ج. م. كوتزي” يعد من العلامات البارزة في الرواية الأفريقية التي انطلقت بقوة نحو العالمية، متجاوزةً الأشكال السطحية المباشرة إلى مرحلة النضج الفني الشامل.
وقد أتيح للأدب الأفريقي الانفتاح على الآداب العالمية جراء الاحتكاك الثقافي الطويل في حقب الاستعمار الأوروبي، مما أنتج إبداعًا فريدًا يمزج بين طبيعة القارة السمراء ـبشرًا وبيئةـ وبين روح الرفض والمقاومة للظروف القاسية من ظلم، وجوع، ونزاعات طائفية.
وتكمن أهمية كوتزي والرواية في أنه أول كاتب يفوز بجائزة البوكر البريطانية مرتين، وحاصل على جائزة رابطة كتاب الكومنولث، وجائزة الجودة الأدبية الأولى في جنوب أفريقيا مرتين. وقد فازت رواية “في انتظار البرابرة” بالجائزتين الأخيرتين وجائزة جودفري وجائزة البوكر عام 1983م، بجانب جوائز محلية ودولية أخرى، وهي نص ثري بالأفكار والتقنيات السردية.
كما تتحول الترجمة في هذا العمل إلى فعل نقل ثقافي ينقل أدب الرفض من سياقه الأصلي ـجنوب أفريقيا/الاستعمارـ إلى سياق القارئ العربي ببراعة.
سيميائية الجسد
ركزت دراستكم على التمثلات السردية للرفض؛ كيف تجلى هذا الرفض داخل البنية السردية للرواية؟
تصنف رواية “في انتظار البرابرة” كعملٍ يرفض بضراوة فكرة الانتظار وسياسات الوهم التي تقتات عليها النظم المستبدة. تعالج الرواية هذه الفكرة بشكل متفرد؛ حيث تعيش الإمبراطورية حالة استنفار دائم استعدادًا لحرب ضد البرابرة، وفي سبيل هذا الوهم تُرتكب جرائم وحشية تنتهي بتدهور الأوضاع والانسحاب الإمبراطوري.
من خلال هذه الرؤية، يفكك الكاتب آليات الاستبداد وصناعة العدو الوهمي (البرابرة) لتبرير القهر البنيوي، مسلطًا الضوء على نظام الفصل العنصري والنظام الإمبريالي البريطاني. ويتجلى الرفض في توجيه الكاتب نقده لسياسات السلطة والمنطق غير الإنساني الذي تغلغل في وعي المجتمع؛ فأنتج تمييزًا عرقيًّا فجًّا على أساس اللون والشكل، لدرجة أن هذا الاحتقار تسلل بشكل مدهش إلى وعي السارد نفسه رغم رفضه المبدئي للقمع.
كما وظف الكاتب تقنيات سردية متقنة على مستوى الرؤية، والفضاء المكاني، وتباين الشخصيات. وتبرز هنا سيميائية الجسد عبر شخصية الفتاة البربرية، حيث اختصر جسدها المشوه بصمته كل معاني الرفض السردي، ومثَّل احتشادًا كليًّا ضد الاختراق الإمبراطوري للنوازع الإنسانية.
لعبة الانتظار
يحيل عنوان الرواية إلى قصيدة كفافيس الشهيرة ومفهوم البرابرة كصناعة للسلطة؛ كيف ناقشت دراستكم تفكيك الرواية لثنائية (المتحضر/البربري)؟
يتكون العنوان من دالّين لغويين: (الانتظار) و(البرابرة). والانتظار يفترض طرفين: المُنْتَظِر (الإمبراطورية/المركز/التحضر) والمُنْتَظَر (البرابرة/الهامش). هذا الانتظار في النص يكتسب بعدًا زمنيًّا يذكرنا بمسرح العبث أو اللامعقول، وتحديدًا مسرحية صموئيل بيكت “في انتظار غودو”، حيث ينتظر الجميع مجهولًا لا يأتي أبدًا، ليصبح الانتظار بلا معنى والوجود غير معقول. وهو ذات الخيط الممتد من قصيدة قسطنطين كفافيس “في انتظار البرابرة” التي تلخص الفكرة، وقصيدة محمود درويش “في الانتظار”.
فيما لا تضع الرواية حدودًا فاصلة بين المتحضر والبربري إلا عبر الفعل والممارسة؛ فالسلوك الإمبراطوري القائم على القهر والتعذيب هو السلوك البربري الحقيقي، بينما قد يحمل البربري سلوكًا حضاريًّا وإنسانيًّا. ويطرح السرد إمكانية دمج البرابرة كجزءٍ أساسيٍّ من النسيج المجتمعي والدفاعي، نظرًا لموقعهم الحدودي وثرواتهم وصناعاتهم التي تحتاجها الإمبراطورية.
جماليات الترجمة
اخترتم أن تكون دراستكم في النص المترجم؛ ما الإشكاليات والنقاط الإبداعية التي واجهتكم أثناء نقد نص وسيط (مترجم) وليس النص الأصلي؟
تمثل دراسات الترجمة اليوم تحولًا نوعيًّا في الحقل الأدبي. فبعد أن عانى الأدب المقارن طويلًا من المركزية الأوروبية وانحصاره في نظرية التأثير والمصادر المدرسة الفرنسية، ثم توسعه في المدرسة الأمريكية؛ جاءت دراسات الترجمة لتعيد الروح النقدي عبر دراسة الأدب بوصفه انتقالًا ثقافيًّا للأفكار والتيمات.
لذلك، لم يكن هدفي من دراسة النص المترجم الوقوف على الفوارق اللغوية التعبيرية المحضة، بل رصد انتقال البنيات السردية والأفكار، لأن الترجمة الأدبية بطبيعتها تختلف عن العلمية ولها تعقيداتها.
وقد تعاملت مع النص المترجم بوصفه متخيَّلًا سرديًّا جديدًا؛ وأرى أن المترجمة ابتسام عبد الله وفقت إلى حد بعيد في نقل دلالات الرفض ومستوياته بلغة أدبية رصينة مشحونة بالسخرية والمفارقة التي تميز العربية. والإبقاء على المساحات التأويلية المفتوحة للنص دون مصادرتها. والحفاظ على الأبعاد الرمزية للشخصيات والتناقضات الأخلاقية التي تحملها. الالتزام بأسلوب السرد الذاتي (ضمير المتكلم) الذي اعتمده كوتزي، مما حافظ على الزاوية المنظورية للحدث.
بريق الأصل
هل كشفت دراستكم عن فجوات دلالية فرضتها طبيعة اللغة العربية، أم أن المترجم استطاع صنع نص موازٍ يحمل ذات القيمة المعرفية؟
لا شك أن أي عمل يفقد جزءًا من بريقه وهويته الأولى أثناء النقل؛ ومن هنا قيل إن “الشعر لا يترجم”، وتظل قراءة النصوص بلغتها الأم متعة خاصة لا يعوضها النص المترجم. لكن هذا لا ينفي وجود ترجمات باهرة، وترجمة ابتسام عبد الله لهذه الرواية تعد نموذجًا دقيقًا؛ إذ امتلكت لغة أدبية رفيعة جسّرت الفجوة الثقافية بين اللغتين، مستفيدة من عمق التيمة الإنسانية المشتركة التي تطرحها الرواية.
كما أن غياب التحديد المكاني الصارم في الرواية كان مقصودًا من كوتزي لتعميم الحدث وتجريده، مما جعل أي مكان في العالم محتملا لوقوع هذه الأحداث. هذا التجريد ساعد المترجمة على صياغة نص موازٍ قادر على نقل الثقافة المغايرة، بروح جديدة وأفكار واعية تستوي في تطلعها للنهوض ومناهضة القمع كل الثقافات الإنسانية.
التبعية والفوضى
كيف تقيمون المشهد النقدي في عالمنا العربي اليوم؟
إن أكبر مأزق يواجه الخطاب النقدي العربي المعاصر هو إشكالية التبعية والمحاكاة، رغم إيماني بأن العلم لا جنسية له، وأن التطور مرهون بالإفادة من المنجز البشري، إلا أن الواقع يشهد اتكالًا مفرطًا على المناهج الغربية الوافدة، يصاحبه فوضى عارمة في المصطلح، واختلاف في السياقات الثقافية، وغياب للمصادر الأصلية. ورغم وجود جهود مخلصة لنقاد عرب كبار يمكن البناء عليها، إلا أننا ما زلنا بحاجة لبصمة نقدية نابعة من خصوصيتنا الثقافية للتحرر من هذه التبعية.
كما تفتقر الساحة النقدية للمشروعات الفكرية المشتركة؛ فمعظم الدراسات تعيد إنتاج وتكرار التجارب السابقة، وتلبس النصوص المختلفة عباءة منهجية واحدة تخلو من الابتكار. ويتجلى هذا بوضوح في الرسائل الأكاديمية التي باتت تدور في فلك نمطي مكرر.
على سبيل المثال، ومع التدفق المعرفي لحقول حديثة مثل اللسانيات المعرفية (الإدراكيات)، اختزلت جل الجهود العربية في مبحث “الاستعارة المعرفية” دون تطوير، في حين يزخر هذا الحقل بنظريات أرحب لم تستثمر بعد، مثل: الأفضية الذهنية، والمزج المفهومي، والنمذجة الذهنية. لذلك، نحن بحاجة ماسة لمراجعة نقدية مستمرة ومساءلة حقيقية لمنجزنا العربي لاستكشاف هذه المساحات البكر.
آفاق مستقبلية
بعد هذا المنجز، ما العوالم المعرفية أو المشروعات الفكرية التي تنوون ارتيادها في محطتكم النقديّة القادمة؟
في الأفق مشروعان نقديان أعمل عليهما، على المدى القريب أعمل على دراسة تعنى بقضايا الهوية في المتخيّل الروائي العربي. وعلى المدى البعيد هناك مشروع يتناول خصوصية السرد في النص القرآني، وهو مشروع أتمنى أن أختم به حياتي العلمية.
ختامًا، هناك مشروعات نقدية أخرى أتبناها، وآمل أن يضطلع بها طلاب الدراسات العليا؛ فهم الامتداد الحقيقي لأفكارنا، وأحرص دائمًا على تشجيعهم لامتلاك عقلية مبتكرة تتجاوز أطروحاتنا ولا تسير في ركابنا عميانًا، كي لا نعيد إنتاج أنفسنا. إن الساحة الفكرية اليوم في أمسّ الحاجة لاستعادة العقل المفكر والمستقل في فضاء الدراسات الأكاديمية العليا.
اقرأ أيضًا:
محمد عطوة: كل أسطورة تنتظر راويًا يعيد بعثها
أحمد الصغير: الشعر لا يستعير الفنون بل يصهرها
الروائي محمد عبد العال: المنتصر يكتب التاريخ
شيماء مجدي: حين تهتز السلطة تولد الذكورة التعويضية
جاد الكريم: “قمر تأكله الأيام”.. حكايات البشر بقبضة الزمن
