ثقافة وأدبسليدر

يوسف نوفل: الشللية قتلت النقد ووصلنا لاستئجار نقاد بالمال

ثمة نقاد يمرون بالنص كما يمر الغريب على المدينة، وثمة نقاد يكتشفون في النص مدينتهم الفاضلة؛ فيسكنونها ويضيئون أزقتها، ويقرأون طالع أبنائها. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، كان الدكتور يوسف نوفل الساكن في جوهر الكلمة، الحارس لأسرار البلاغة والتأويل.

تسير رحلته كأنهار يغذي بعضها بعضًا؛ لم تُغره النظرية بعيدًا عن روح القصيدة، ولم تُبعده المناهج المعاصرة عن وجدان النص العربي. وفي غمرة التكريم بجائزة النيل، الذي يحمل طعم إعادة الثقة في أصل العطاء، سارت معه “صوت البلد” في حوار محاط برائحة آلاف الكتب وسيرة الحبر الشريف؛ لتقرأ ملامح الرحلة، وتقف على شهادته الشجاعة حول آلام النقد العربي وآماله، مستشرفًا آفاق الذائقة لدى أجيال الباحثين الجدد.

كيف استقبلتم خبر التكريم بجائزة النيل؟ 

تلقيت هذا الخبر بكل سرور وسعادة؛ لأنه يمثل الاعتراف بالإخلاص في العمل والتقدير للجهود المبذولة. هذا التكريم يعيد للإنسان الثقة في الحياة الثقافية، ويؤكد أن هناك تقديرًا حقيقيًا للجهد والعطاء.

هوايتي الأولى

جاءت هذه الجائزة بعد عقود من العطاء البحثي والأكاديمي والإبداعي.. كيف ينظر د. يوسف نوفل اليوم إلى رحلته الطويلة منذ البدايات وحتى الوصول إلى “تاج الجوائز”؟

حين أنظر إلى رحلتي التي بدأت منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، أجد أنني أخلصت -والحمد لله- لعشقي وهوايتي الأولى القراءة والأدب بشكل عام، ثم البحث العلمي الأكاديمي والشعر بوجه خاص. لقد بدأت رحلة الجوائز منذ كنت طالبًا بالجامعة ونلت إحدى جوائز المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب في الستينيات، ثم توالت النجاحات حتى تجاوزت مؤلفاتي أربعين كتابًا، وأشرفت وناقشت أكثر من 400 رسالة علمية. فأحمد الله سبحانه وتعالى أن أعانني على هذا الإنجاز.

أثريتم المكتبة العربية بعشرات الكتب المرجعية في النقد الحديث والمعاصر وبلاغة النص… ما القضية النقدية التي تشعر أنها كانت المحور الأساسي لمشروعكم النقدي؟

المحور الأساسي والسمة المتميزة لمشروعي النقدي -كما يعلم الجميع- هي إيماني بالربط بين التنظير والتطبيق، والتركيز على تحليل النصوص الأدبية. نحن نفهم النظرية بلا شك، لكننا لا يجب أن نقتصر على مجرد “مضغ” النظرية وتكرار ما قاله الآخرون؛ لأن ذلك مجرد اجترار وليس ابتکارًا.

أنا مع الابتكار؛ أفهم النظرية وأشرحها، لكنني أؤمن بأهمية التغلغل في النص الأدبي؛ ولذا فإن معظم كتبي هي تحليل لدواوين وقصائد وقصص وروايات ومسرحيات. وهذا لا يعني إهمال التنظير، فكتابي في “نظرية الشعر” المكون من 1800 صفحة يتضمن أكثر من ألف صفحة في التنظير منذ أرسطو والنقاد العرب القدامى وصولًا إلى المعاصرين في مصر والعالم العربي وأوروبا. لكن يبقى تحليل النص في المركز الأول؛ لأنه يمنحك فرصة العطاء الحقيقي من عندك. وما من شاعر نقدت أعماله -مثل فاروق شوشة أو محمد إبراهيم أبو سنة- إلا وقال لي: “بالفعل، هذا ما أردت قوله”؛ لأنني أحلل النص وأنفذ إلى أعماقه، انطلاقًا من مقولة “جان بول سارتر”: إن الناقد مبدع ثانٍ للنص الأدبي.

التيه النقدي 

خضتم مناقشات نقدية وشهدتم تحولات المناهج من الكلاسيكية إلى البنيوية وما بعد الحداثة… كيف ترى حالة النقد الأدبي العربي اليوم؟

لستُ مع من يجتر ما قاله فلان عن البنيوية أو رولان بارت، وإن كنت أستشهد بها ولا مانع في ذلك. لكن من السلبيات التي شهدناها سوء فهم المناهج الغربية كالبنيوية لدى البعض.

ولعلنا نتذكر المعركة الشهيرة التي دارت في ثلاثة كتب للدكتور عبد العزيز حمودة -رحمه الله- حين رد على الدكتور جابر عصفور -رحمه الله- حول إساءة فهم البنيوية؛ حيث تصدى د. عبد العزيز حمودة، وهو أستاذ اللغة الإنجليزية الحاصل على الدكتوراه من أمريكا؛ لتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة لدى الآخرين، وكان آخر كتبه بعنوان “المتاهة”، في إشارة إلى حالة التيه النقدية. لذا أكرر إيماني بتلازم التنظير والتطبيق معًا، وعدم الاكتفاء باجترار وتكرار.

ناقد بالأجرة 

في ظل خبرتكم الكبيرة، هل ترون أن النقد المعياري قد غاب اليوم لصالح المجاملات؟

للأسف، النقد المعياري في مصر مات، فقد أصبح مفقودًا إلى حد كبير، والبديل المسيطر لدى الكثيرين هو الشللية والأهواء والمصالح، وإن كان هذا لا ينفي وجود قلة من النقاد أصحاب الضمير النقدي.

لقد وصل الأمر إلى حد استئجار ناقد ليذهب ويعلق لصالح شخص معين مقابل أجر! هذا ليس مجرد غياب للمعيارية، بل هو إسفاف وانحطاط نقدي. المعيارية الحقيقية لم تعد موجودة إلا لدى عدد قليل جدًا من النقاد.

بصفتكم أستاذًا وموجهًا لأجيال من الباحثين..ما الذي يحتاجه الباحث الشاب اليوم ليصنع ذائقة نقدية حقيقية بعيدًا عن السطحية؟

قد يبدو غريبًا أن أقول إن الجانب المالي أصلح عائقًا كبيرًا جدًا؛ فلا توجد ثقافة أدبية بدون مكتبة خاصة. مكتبتي الشخصية تضم بضعة آلاف من الكتب التي بدأت جمعها منذ الخمسينيات حين كانت الكتب رخيصة. أما الآن مع ارتفاع الأسعار، فكيف للناقد الشاب أن يبني مكتبته الخاصة؟ والمكتبات العامة لا تحتوي على كل شيء، فضلًا عن أن الباحث قد يحتاج مرجعًا في منتصف الليل أثناء كتابة مقال. صحيح أن صيغ (PDF) على الإنترنت قد تعوض هذا النقص بشكل يسير لكن المشكلة أكبر.

الجانب الآخر الأهم هو وجود عزوف حقيقي عن القراءة والتثقيف الذاتي؛ نتيجة أزمة الكتاب وطغيان الوسائط الحديثة القائمة على ثقافة الصورة والسطوع السمعي والتقنيات المتعددة على حساب القراءة المباشرة.

اقرأ أيضًا: 

أحمد عبد الفتاح: حولت معاناتي لبحث يخدم المكفوفين

حسين سعيد: “غصنُ السماءِ” يُعيد للمسرح نبضهُ الشعري

عبد الكريم الحجراوي: السرد يصنع أساطير المغامرين

يونس أبو سبع: “ضبابٌ يا أبي” استجارة من القسوة

صاحب مدرسة الجن: “أخيطُ الشيبَ ظلًا” لأهزمَ مرآةَ الزمنِ

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23478

موضوعات ذات صلة

نجاح جراحة البابا تواضروس بالنمسا ورحلة تعافٍ تبدأ

حازم رفعت

معتمد جمال: خبرة لاعبي الزمالك سلاحنا أمام بلوزداد 

محمود المهدي

السطوحي: مدرسة خضير البورسعيدي تدعم تعزيز الهوية

المحرر

البابا تواضروس: تجديد حيوية للأساقفة المخلصين

حازم رفعت

رئيس الحاصلات البستانية: الاتحاد رمانة الميزان لأسعار التقاوي

المحرر

أغذية للوقاية من ارتفاع ضغط الدم

المحرر