ثقافة وأدبسليدر

حروب الكرة وأفراحها كما رآها أشهر الأدباء

لا صوت يعلو فوق كأس العالم حين يهبط على العالم كل أربع سنوات وكأنه هدنة إجبارية للشعوب للتخفف من همومها والبحث عن الفرح المشترك في لعبة واحدة تحبس الأنفاس.

وعبر التاريخ امتلكت كرة القدم، ذلك الفعل السحري الذي يمكن أن تلحظه ببساطة في الشوارع والمقاهي إبان المباريات الهامة، وكأنك أمام 90 دقيقة منفصلة عن الواقع وفي قلب الافتتان بسحر الكرة ومهارات اللاعبين وحالة الصياح والانفعال المشترك بين الجماهير وهو ما يسميه جوستاف لابون في “سيكولوجية الجماهير” بعدوى الفرح.

ولهذا يقول الروائي ياسر ثابت في كتابه عن حروب الكرة: “يبدو أنه كلما ازداد فقر البلاد و القهر السياسي ازدادت أهمية كرة القدم.. إنها الثروة الوحيدة في نظر الذين لا يملكون شيئًا”

لكن المونديال لا يعني الهروب الكامل من الواقع، بل إنه يعيد إنتاج الصراع على العشب الأخضر بوجه آخر؛ وهذا العام مثلا قي نسخة كأس العالم 2026، نجد مشاحنات مع منتخب إيران في ظل الحرب الكبرى الدائرة بين البلدين، ناهيك عن التعنت الشديد في حضور جماهير دول تعلق أمريكا تأشيرة دخولها ومنها أفغانستان وإيران والصومال وسوريا وفلسطين، بجانب عديد من الدول التي يحظر إصدار تأشيرات لها بشكل جزئي ومنها ساحل العاج، مما يحرم هذه الفرق من الدعم الجماهيري.

وبعيدا عن المستطيل الأخضر، فقد أشهرت الولايات المتحدة بطاقة حمراء في وجه الحكم الصومالي عمر عرتن قبل ساعات من انطلاق منافسات كأس العالم، وهو ما فتح باب الأسئلة عن تحول الملاعب لساحة تصفية حسابات أحيانا، وبرغم تصريحات رئيس الفيفا جياني إنفانتينو بأن الجميع سيكون موضع ترحيب في كندا والمكسيك والولايات المتحدة وهي الدول المضيفة للكأس.

مملكة الكرة

حاول العديد من الباحثين الإجابة على تساؤل سر ارتباط الجماهير بكرة القدم، وشاركهم كبار الأدباء أيضا، ومنهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي اعتبرها مساحة آمنة وحيدة تمارس فيها الديمقراطية بغير انتهاك من حكوماتهم ولا قوى الاحتلال الغاشمة، ويظل معيار الكفاءة فيها هو العنصر الحاكم وتختلس الجماهير فيها مساحة من الأمل والفرح، وهو ما قال به عميد الرواية العربية نجيب محفوظ، بل وقد اعتبر الشاعر الأمريكي تي اس اليوت، كرة القدم بمثابة القصة والرواية ولا تقل ابداعا عنهم.

وقد اعتبر سارتر كرة القدم بأنها مجاز الحياة، أي تعبير عنها، بكل قوانينها، أما جرامشي فقال أنها “مملكة الحرية البشرية في الهواء الطلق”

ولكن الإلحاح على الترويج لكرة القدم كحدث وحيد سيتحول لأمر مزعج حقا بحسب المفكر الإيطالي امبرتو إيكو، والذي شبهها بساحة جديدة للحروب وقوانينها وللتعصب أيضا، وكان يقول “لا أكره كرة القدم ولكن أكره المتعصبين لها”، وكان جورج أورويل معاد لتلك اللعبة فبحسب نظرته: “البلدان اليوم تخوض حروبها في ملاعب كرة القدم، بجنود يرتدون السروال القصير و المفترض أن هذه لعبة، و أن التسلية هي هدفها.غير أن الذاكرة الخفيَّة لتناحرات الماضي تخيّم على كل مباراة، و كلما سُجّل هدف ترددت أصداء الانتصارات و الهزائم القديمة”.

في مواجهة الاستعمار

لقد ارتبطت كرة القدم كذلك بذاكرة الشعوب الاستعمارية؛ وفي مصر مثلا أنشأ النادي الأهلي عمر لطفي بك عام 1907، وكان الفريق يستهدف جمع الطلبة على عمل رياضي لمواجهة الإنجليز، وفي 1943 تمكن اللاعب الشهير “مختار التتش” من جمع فريق الأهلي والسفر للعب في فلسطين ضد الصهاينة، وبرغم معارضة الملك واتحاد الكرة، ما تسبب في شطبهم من اللعب محليا، ولم يسمح لهم إلا بمباراة وحيدة أمام النادي المختلط “الزمالك” وبغير لاعبيه الأساسيين فكانت النتيجة الهزيمة “6 –صفر” وهي الهزيمة الوحيدة التي يفخر بها الأهلي.

وبجسب كتاب ياسر ايوب “مصر وكرة القدم”، فلقد انتشر التحذير من “لعبة الإنجليز” ولكن فات الوقت وانتشر الولع، وتلقفتها الأقدام في الحواري والشوارع، بعد أن كانت مقصورة على معكسرات الإنجليز، وقد جلبها الجنود في حقائبهم، وينقل الكتاب عن الباحثة إيفا لافريش أن المصريين اخترعوا لغتهم الكروية الخاصة، وقد لعب المصريون بكور من الأقمشة “كرة شراب”.

ولقد أصبحت الكرة فى أفريقيا تحديدًا هى عجلة الكبرياء الثقافى والتضامن القومى ، وفى البلاد التى استعمرتها الإنجليز تحولت إلى ما يشبه إحدى وسائل المقاومة ومحاولات الاستقلال، بحسب باحثين أوروبيين وأمريكيين.
ولقد تأسست في عواصم الثورة العربية نوادي كرة القدم الأولى، ومنها في ليبيا نادي “عمر المختار” في عهد الاحتلال الإيطالي، وكذلك في تونس والجزائر والمغرب إبان الاحتلال.

لعبة البهلوانات والرعاع

ويشير الكتاب الهام “كرة القدم بين الشمس والظل” لإدوارد جاليانو؛ إلى ان الصينيين على الأرجح كانوا أول من عرف كرة القدم منذ خمسة آلاف السنة، وقد كانت لعبة البهلوانات وتشترط عدم لمس الأرض، ولقد انتقلت بين حضارات عدة ونراها عبر جدران المعابد الفرعونية في مصر، و في القرن الرابع عشر قد وردت على لسان أحد الأبطال بمسرحية شكسبير يقول:
إنني أتدحرج فيما بينكم
أتراكم اتخذتموني طابة كرة قدم؟
ويقال إن الإمبراطور يوليوس قيصر كان يتقن استخدام كلتا ساقيه فى لعب الكرة،

وبعد قرون، وتحديدا فى عام ١٣١٤ منع الحكام ومنهم إدوارد الثانى هذه اللعبة الرعاعية والصاخبة، والتي تخلف أعدادا من الضحايا؛إذ لم تكن لها قوانين أو أعداد محددة. وكانت الحشود في فرنسا تتوافد إلى المباريات التى تجرى فى أوسع الميادين وفوق مياه نهر أرنو المتجمدة لمشاهدة “الكالشو” أو كرة القدم، كما في إيطاليا، بل لقد لعبها فى حدائق الفاتيكان البابوات كليمنت السابع وليون التاسع وأوربانو الثامن.

أما فى المكسيك وفى أمريكا الوسطى، فكانت طابة المطاط هى شمس الطقوس المقدسة منذ حوالى ألف وخمسمائة سنة قبل المسيح.

محنة اللاعب المشهور!

لقد تحولت كرة القدم من مجرد متعة، إلى صناعة، بحسب الكاتب “جاليانو” بل وإحدى أكثر الأعمال التجارية ربحا في العالم.
والكتاب يضعنا أمام صورة درامية للاعب الكرة فهو “يركض لاهثا على شفير الهاوية،في جانب تنتظره سماوات المجد، وفي الجانب الآخر هوة الدمار.
لقد خرج من حي شعبي، أصبح يرمقه بإعجاب، وقد نجا من أعمال المصنع والمكتب، ورغم أنه يتوجب عليه أن ينضح عرق مثل مرشة، ودون حق في التعب أو الخطأ، فإنه يظهر في الصحف والتليفزيون والنساء يتنهدن من أجله، ويقلده الأطفال، أما هو فقد أصبح مجبرا على الربح، ورجال الأعمال يشترونه ويبيعونه ويعيرونه ويسلم هو قيادته لهم بمقابل الوعد بمزيد من الشهرة والمال، وكلما نال منهم ازداد أسره وقيوده ومعسكراته الشاقة وشيخوخته المبكرة وتلك الشهرة اللعوب التي تغادره دون ورقة اعتذار في أحيان كثيرة!

اقرأ أيضا

مصنع الأحلام.. أنت المعجزة التي تنتظرها

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=20225

موضوعات ذات صلة

قمة روحية بالإسكندرية تجدد عهود المحبة والوحدة

حازم رفعت

“القصص”.. دراما عابرة للثقافات تتألق في العرض العربي

حسن عبدالعال

وداعًا للثانوية العامة.. البكالوريا تدخل المشهد وتثير الانقسام

المحرر

27 دائرة بـ10 محافظات تحسم “النصاب” البرلماني

أيمن مصطفى

وزارة العمل: 80 فرصة عمل للإناث ومزايا تأمينية

صفاء الشاطر

من يملك الحقيقة ؟ أسرار صناعة الكذب في الإعلام الجديد

المحرر