ثقافة وأدبسليدر

يونس أبو سبع: “ضبابٌ يا أبي” استجارة من القسوة

لا يبدأ الشعرُ من اليقين، بل يترقرقُ دائمًا من المتاهة، حيث تتماهى الحدود بين الرؤية والعمى، ويصبح السؤال هو المأوى الوحيد للذات الإنسانية في مواجهة عالمٍ محكومٍ بالتسارع والمادية. في ديوانه المُتوج حديثًا بجائزة الدولة التشجيعية، “ضبابٌ يا أبي”، لا يقدم الشاعر الفائز يونس أبو سبع إجاباتٍ جاهزة، بل يفتح أفقًا تأويليًا يتجاوز حدود النص؛ ليرسم عبر القصيدة حالة من التيه المعاصر، ويستجير من قسوة الواقع بأبوة متعدة الأبعاد، فتارةً هي الأب البيولوجي، وتارةً هي المقدس، وتارةً هي هذا العالم المتداعي نفسه.

في هذا الحوار، تستكشف “صوت البلد” مع يونس أبو سبع خريطة تجربته الجمالية؛ وكيف تُكتب قصيدة الفصحى اليوم بوعي يوازن بين رصانة الموروث وإيقاع اللحظة الراهنة، وكيف تحافظ اللغة على طاقاتها البكر في زمنٍ يخشى فيه الشعراءُ نضوب الكلام.

كيف تلقيت خبر فوز ديوانك “ضبابٌ يا أبي” بجائزة الدولة التشجيعية؟

لم أنتظر الخبر من منطلق استحقاق فردي، بل انتظرته انحيازًا للشعر وانتصارًا له. أسعدني التكريم كثيرًا؛ فهو تقدير عزيز من بلادي، وإشارة محملة بالثقة والمسؤولية.

هذا التقدير يضع القصيدة في موضع الاهتمام والقراءة، وهو ما يضاعف من مسؤوليتي تجاه النص، لتقديمه للمتلقي بالشكل الذي يليق بعظمة هذا الفن.

قسوة العالم

ضبابٌ يا أبي.. عنوان يحمل الشفافية والحزن والنداء.. ما سر العنوان والأب في الديوان؟

إن قراءة التجربة من بوابة العنوان تكشف عن خطاب صادر من الذات الإنسانية؛ يستجير من قسوة العالم وأضداد الحياة بقوى عليا. تتجسد هذه القوة تارة في الأب البيولوجي، وتارة في الأب بالمفهوم المقدس، وأخرى في الأب العالَم الذي نعيش جميعًا تحت مظلته.

تيه وتوتر

الضباب حالة بين الرؤية والعمى، بين الشك واليقين.. هل كانت الكتابة محاولة لتبديد الضباب للوصول إلى اليقين، أم تجسيدًا لتيه الإنسان المعاصر؟

الشعر لا ينطلق من الإجابة اليقينية بل من السؤال؛ فبالسؤال تفتق الآفاق وتنفتح الإجابات على التأويل، في رحلة بحث مستمرة لتجسيد هذا التيه المليء بالمخاطر والاحتمالات.الإبداع حالة من التوتر الدائم والتفكير الحدسي الذي لا يبحث عن يقين جاهز، بل يحدس بالأشياء ويعيد تعريفها وتغيير زوايا النظر إليها دون توقف.

كيف ترى واقع قصيدة الفصحى اليوم بين أصالة اللغة وإيقاع الشارع المعاصر؟

يقوم على قصيدة الفصحى اليوم جيل صاحب تجربة حقيقية؛ جيل خبُر المعاناة وتدرب على المثابرة والترحال لكسر وطأة التسارع وتراجع القيمة أمام الرقم. هو جيل يملك ما يقدمه، والموهبة حاضرة بقوة. أعتز بانتمائي لهذا الجيل الذي يجمع بين المحظوظية وسوئها في مفارقة وجودية تكفل استمرار السؤال الإبداعي.

لهذا، أحاول أن يكون التشكيل الفني ورصانة الجماليات وليدَي الصدق الفني لاتساق التجربة مع الذات والآخر. فالشعر خطاب إنساني لا بد أن يحمل القضايا المعاصرة ويعالج الواقع الحي.

امرئ القيس

من الآباء الشعريون الذين ألهموك وأنت تخط طريقك الخاص؟

في الشعر، الأبوة المطلقة هي للشعر ذاته، والذي يتجلى عبر الشعراء. تاريخنا الشعري حافل بقامات جبارة، ولا أستطيع -كشاعر معاصر- أن أتحدث دون تتبع هذا المسار الطويل؛ بدءًا من الجد امرئ القيس، مرورًا برواد القصيدة الحديثة، وصولًا إلى تجارب الأقران.

اللغة وإن كانت محدودة المعجم والتراكيب، إلا أنها لا متناهية الإبداع. هواجس النضوب وتجمد الكلام التي تنتاب الشعراء أحيانًا هي -في رأيي- هواجس غير حقيقية؛ فطاقات اللغة الإبداعية والطاقات الكامنة فيها لا تنتهى.

كان لي أب

لو طلبنا منك إهداء القراء مقطعًا يختصر روح “ضبابٌ يا أبي”، فماذا تختار؟

– قد كان لي شجرٌ وبيتٌ،

لي أبٌ خلف الجدارِ

يشدُّني من نظرتي ويقول لي:

مَن كانَ خلفَك؟ مَن معَكْ؟

مَن حين تُهتَ،

مِن المتاهةِ أرجعَكْ؟

– حبٌّ وحيدٌ يا أبي!

أمي تُحمِّلني السلامَ عليكَ،

تحضُنُ في ثيابكَ صورةً،

وجهًا ورائحةً،

وتغزلُ دمعَها وخطابَها…

لا تنتظر أحدًا سواها يا أبي!

أمَّا أنا..

لا أذكرُ التاريخَ في هذي الليالي،

لا أحاولُ أيَّ شيءٍ

غيرِ تصفيةِ الحسابِ مع الهواء…

ولا ألوم بعيدةً أو دونها …

لا شيءَ يؤسفُنى على حالٍ

سوى أن الروايةَ قد تغيَّرَ أهلُها

وبلادُها ومزاجُها الصافي …

تبدَّلت الروايةُ كلُّها

— يا للغرابةِ والحماقةِ —

وانتهى أثرٌ..

وأُسدِلت الستارةُ …

لا الحدائقُ … لا الخميلُ …

ولا الطلولُ!

ما الذي ينشغل به بال الشاعر يونس أبو سبع حاليًا في مشروعه القادم؟

يشغل بالي بشدة ألا أكرر نفسي فيما سبق، وأن أبحث عن مناطق مختلفة وجديدة من روحي. أعمل على تنسيق ديواني الثالث بانتقائية ودقة شديدة، وآمل أن أقدم فيه تجربة تمس القارئ المعاصر، وتمس الإنسان في كل زمان ومكان.

 

اقرأ أيضًا: 

الصغير وصفوت: الذكاء الاصطناعي بين الإبداع والخطر الوجودي

صاحب مدرسة الجن: “أخيطُ الشيبَ ظلًا” لأهزمَ مرآةَ الزمنِ

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

الشاعرة ياسمين صلاح: هذا “أول ما رآه الطين”

الجبوري: هذا ما يختبئ خلف مجاز القصيدة العربية

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23300

موضوعات ذات صلة

مدير «القاهرة للدراسات»: حرب إيران إعادة صياغة للاقتصاد

أيمن مصطفى

الشرقية تحتفل بتأسيس الجامع الأزهر بقصر ثقافة الزقازيق

محمد مرسي

قنا:مباحثات لدعم مشروعات استثمارية وتنموية

أحمد الفاروقى

“خان الخليلي” بأسيوط قريبًا

أحمد الفاروقى

أزمة جديدة.. مهاجم الزمالك يريد فسخ تعاقده رسمياً

محمود المهدي

اتفاق غزة.. بين الضغوط الأمريكية والمراوغة الإسرائيلية

محمود كرم