ثقافة وأدبسليدر

عبد الكريم الحجراوي: السرد يصنع أساطير المغامرين

تتأسس الكتابة الإبداعية الحقيقية على رهان مزدوج؛ رهانٍ على التفاصيل الهشّة التي تحيط بحياتنا اليومية لانتشالها من مجرى الزمن وتحويلها إلى أسطورة، ورهانٍ آخر على اشتباك الوعي الحاد مع تحولات واقعٍ شديد الاضطراب. وفي المشهد الروائي الراهن، لا تأتي التجربة المكتملة من صدفة العبارة، بل من خلفية نقدية وفكرية تدرك تمامًا كيف تُصنع المحاكاة، وكيف يُعاد بناء التراث في قالب درامي يتجاوز الحبكات التقليدية.

في هذا الحوار مع د. عبد الكريم الحجراوي، تغوص “صوت البلد” في العوالم السردية والفلسفية لكاتبٍ آثر أن يخوض مغامرة التجريب؛ متجاوزًا القواعد الجاهزة ليصنع قارئه الخاص، ومتقصيًا أثر اللغة بين شعرية البناء وتعدد الأصوات. حوارٌ يتجاوز احتفالية التتويج بجائزة الدولة التشجيعية، ليفكك أسئلة الجيل وأزمة النقد، وجدلية العبور من التفاصيل الصغيرة لجنوب مصر إلى رحابة السرد الإنساني.

كيف استقبلت خبر نيلك جائزة الدولة التشجيعية؟ 

كانت فرحتي غامرة بهذا الفوز؛ فالتقدير الذي يأتي من الدولة المصرية شرفٌ لا يعادله شرف. تُعد جائزة الدولة التشجيعية واحدة من أعرق الجوائز الثقافية في مصر، وتمثل اعترافًا رسميًا بقيمة المنجز الإبداعي، وهو ما يبعث على الفخر والاعتزاز لدى أي كاتب. ويزداد هذا الشعور عمقًا لكون الجائزة تصدر عن مصر صاحبة الحضارة الممتدة لآلاف السنين، والبلد الذي أسهم في تشكيل وجدان الثقافة العربية الحديثة وأنجب قممًا فارقة مثل طه حسين، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، والعقاد.

رواية مملة

عنوان الرواية ينطوي على مفارقة عميقة… سيرة هشّة وفي الوقت ذاته تؤرّخ ليوم عادي، هل الهشاشة هنا سمة للإنسان المعاصر أم لليوم الذي نعيشه؟

رغم ميلي النظري لمقولة موت المؤلف، إلا أنني قاصدٌ لهذا العنوان تحديدًا. تقوم الرواية على مفارقات متعمدة لكسر أفق توقع القارئ؛ فهي ليست هشة كما يوحي اسمها، واليوم العادي فيها يتسامى ليتحول إلى يوم أسطوري. لقد تخليتُ عن الحبكة التقليدية، وتجاوزتُ ما يُعرف بمسدسات تشيخوف، لأحتفي بالتفاصيل الصغيرة التي أؤمن أنها هي الجوهر الحقيقي لحياتنا. حتى وصفها بالرواية المملة كان تعمدًا مني؛ فالقارئ الذي يستسلم لهذا الوصف لن يكملها، بينما كنت أبحث عن قارئ مغامر وغير أسير للأحكام المسبقة، مستعد لخوض تجربة مختلفة واكتشاف عالم روائي يتشكل ببطء من التفاصيل اليومية وصولًا إلى أُفقه الأسطوري.

تعدد الأصوات

تلعب اللغة دورًا محوريًا في بناء عالم الرواية.. كيف وازنتَ فيها بين الشعرية وتعدد أصوات الشخصيات؟

اللغة بالنسبة لي عنصر أساسي ومحوري؛ وقد حرصت على أن تكتسب طابعًا شعريًا يجذب القارئ دون أن يفقد النص حيويته السردية، إيمانًا بأنه إذا كان الأسلوب هو الرجل، فهو أيضًا جوهر الكتابة. وفي الوقت نفسه، حرصت على تحقق تعدد الأصوات، فمنحتُ كل شخصية لغتها الخاصة النابعة من تكوينها الاجتماعي والنفسي والثقافي.

بالحديث عن جماليات النص، ما أقرب اقتباس لقلبك من الرواية؟

الاقتباس الأقرب إلى قلبي هو ذلك المثبت على الغلاف الخلفي للرواية، والذي أقول فيه: “صوت اللطمة على الوجه يعيد عمران من شروده، لم يشعر بألم اللطمة، ولم يتأكد أنها كانت على وجهه، صدى صوتها فقط هو الذي أيقظه، جمع عمران المبلغ من على الأرض كما أمر والدموع متحجرة في عينيه. لم يرفع رأسه ليعاود النظر في عيني مايا. لم يكسره أبوها، بل هي التي كسرته، وورطته، وفي النهاية لم تدافع عنه ولو بكلمة واحدة. طعنته ببسمة، ولم يعرف قبل هذا اليوم، أن البسمات قد تكون أمضى حدًا من السيوف وأشد فتقًا من الخناجر!”.

هذا المقطع بالتحديد يعبر بدقة عن روح الرواية ورؤيتها الفلسفية والجمالية الكلية.

غلاف الرواية

فوزك في فرع رواية الواقع المعاصر يحمل دلالة خاصة؛ هل ترى في الجائزة انتصارًا لرؤية جيلك في اشتباكه السردي مع تحولات المجتمع الراهن؟

أعتقد أن الجيل الذي ولد في التسعينيات يمثل امتدادًا أصيلًا ومهمًا للأجيال السابقة، ويضم أصواتًا لافتة في الرواية والقصة والمسرح والنقد. لقد تشكل وعي هذا الجيل في ظروف شديدة الاضطراب؛ بدءًا من الغزو الأمريكي للعراق، مرورًا بـ 25 يناير وما أعقبها من تحولات، وصولًا إلى الحروب المشتعلة في المنطقة وما تعرضت له غزة ولبنان، ناهيك عن الأزمات الاقتصادية وتراجع فرص العمل. كل هذه العوامل دفعت أبناء الجيل للبحث عن مساراتهم الخاصة وإثبات أنفسهم في ظل واقع بالغ المعاناة، وهو ما انعكس جليًا على رؤيتهم للعالم وعلى نصوصهم الإبداعية.

أزمة النقد

كيف ترى العلاقة الحالية بين النقد الأدبي والأعمال الروائية الصادرة حديثًا في المشهد المصري والعربي؟

للأسف، عدد النقاد أقل بكثير من حجم الإنتاج الإبداعي. كما أن النقد في عالمنا العربي لا يضمن عائدًا ماديًا أو حضورًا إعلاميًا يوازي الجهد الشاق الذي يتطلبه، مما يترتب عليه مرور أعمال إبداعية جادة دون أن تنال ما تستحقه من قراءة نقدية حقيقية. الناقد مظلوم لوقوعه تحت ثقل المسؤولية وسط قلة المتخصصين، كما أن غياب النقد المؤسسي أفسح المجال للمجاملات والأحكام الارتجالية، والحديث في شجون أزمة النقد في بلادنا يطول.

اهتماماتك النقدية امتدت للدراما، المسرح الشعري، وتجليات السير الشعبية… إلى أي مدى ينعكس هذا الشغف بالتراث والمسرح على بناء الشخصيات وحواراتها داخل الرواية؟

اهتمامي بالمسرح ينبع من كونه تخصصي الأكاديمي؛ فقد حصلت على الماجستير في المسرحية الشعرية العامية، والدكتوراه في تجليات السير الشعبية في المسرح العربي، وأصدرت سبعة كتب في النقد المسرحي. كان طبيعيًا أن يلقي هذا التكوين بظلاله على النص؛ ستجد شخصيات تتمتع بحضور درامي ومسرحي، كما يحضر شكسبير عبر الإحالة لمقتل يوليوس قيصر في النص الخلفي للغلاف.

أما التراث الشعبي فهو عصبٌ أساسي بالرواية لكونها تدور في إحدى قرى جنوب مصر؛ حيث وظفتُ أغاني الأفراح والعدودة والمعتقدات المرتبطة بعالم الجن؛ لتصبح جميعها أدوات فاعلة تخدم رؤية الشخصيات للعالم.

التاريخ والماورائيات

بعد هذا التتويج، ما المشروع الروائي أو النقدي الذي تعكف عليه حاليًا؟

أعمل حاليًا على رواية جديدة تدور حول شاب يمتلك قدرة استثنائية على رؤية الموتى يسيرون بين الأحياء. لكن هذه الميزة لا تُستغل لإثارة الرعب، بل تُوظَّف كأداة لاستكشاف الذاكرة، والتاريخ، والهوية.

تقوده هذه المواجهات لتتبع تاريخ عائلته عبر رحلات هجرتها بين البلدان وصولًا إلى استقرارها في مصر، كاشفًا الأدوار التي لعبها أجداده في محطات مفصلية من التاريخ المصري، لتتداخل الحكاية الشخصية مع التاريخ العام. وبالموازاة مع ذلك، تنشأ قصة حب معقدة مع فتاة تملأ حياته، لكنه يظل عاجزًا عن حسم سؤال يؤرقه: هل هي من الأحياء.. أم أنها إحدى الموتى الذين لا يراهم سواه؟

اقرأ أيضًا: 

يونس أبو سبع: “ضبابٌ يا أبي” استجارة من القسوة

الصغير وصفوت: الذكاء الاصطناعي بين الإبداع والخطر الوجودي

صاحب مدرسة الجن: “أخيطُ الشيبَ ظلًا” لأهزمَ مرآةَ الزمنِ

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23355

موضوعات ذات صلة

مطرانية الفيوم تحسم الجدل حول إزالة زراعات الدير

حازم رفعت

ناشر إيطالي: مصر أرض الحكايات قبل 6 آلاف عام

شيماء عيسي

سطوة التريند ومسؤولية الوعي: الصحافة في اختبارها الأصعب

سارة الدسوقى

البابا تواضروس والبطريرك برثلماوس: صلاة مشتركة

حازم رفعت

الوزيرة الفرنسية كورين ليباج لـ (صوت البلد) : الأمل ينتصر على المرض

ضاحى محمود

وزير الثقافة: مبادرات لنشر الثقافة وتعزيز الوعي

المحرر