ثقافة وأدبسليدر

في “مستر ولا شي” .. نوبل والهوس العربي بالاعتراف


ماذا يحدث للكاتب حين تتحول حاجته إلى الجوائز من رغبة مشروعة في التقدير إلى هاجس يحاصره ويفسد حياته؟ وهل تنحصر قيمة الكاتب في النياشين والأضواء أم في نصوصه وزادها من الفكر والجمال؟ ومن قال أن رحلة الجوائز الكبرى خالية من أمراض البشر؟!
تدور رواية الروائي الجزائري واسيني الأعرج الأخيرة “مستر ولا شي.. مأدبة جائزة نوبل الأخيرة”، والصادرة عن دار “دوّن”؛ حول الكاتب العربي نوفل آل فريد الذي استبد به وهم استحقاقه بالجائزة، فكرّس حياته لهذا الحلم، وساعدت رفقته من المثقفين الممالئين، على تزكية هذا الوهم الذي بدا لامعًا خاصة بعد صدور روايته الواحدة بعد المائة، ومشواره الحافل بجوائز لم يسمع بها أحد، بل الإشارات الكونية أيضا التي جعلت اسمه متناغما مع اسم صاحب جائزة نوبل، وهنا أصبح سؤاله الوجودي: لماذا لا أفعلها بعد أن فعلها محفوظ؟
وعبر حبكة الرواية المتصاعدة نرى كيف يسقط هذا الكاتب الطامع ضحية شبكات النصب، وكيف يهوي الحلم به من سماوات المجد لسابع أرض، في كوميديا سوداء عن صناعة البطولات المزيفة في عالمنا العربي.

الاعتراف مقابل الهوية
كُتبت الرواية بلغة أبسط من روايات واسيني السابقة، وفيها مغامرة تخلل مقاطع معلوماتية وبرغم كونها قد عرقلت إيقاع النص، لكنها حملت وعي الكاتب بالجائزة التي يعيش أحلام اليقظة مع قلادتها والاستحقاق الذي سيغمر اسمه بعدها.
تتقاطع الحوارات المكتوبة باللهجة العامية الجزائرية مع مساحات شاسعة من الرواية، من عينة المثل الشعبي: “ما يصلح لوالو سوى للهدرة” أو “أدباء ربعة دورو” بمعنى لا يسوون شيئا، وبرغم أن الكاتب يفسرها في حواشٍ أخيرة، لكنها تمثل تحديا للقاريء غير الملم باللهجة المغاربية.
هذا الصراع اللغوي في الرواية بين المحلية والفصحى والفرنسية، حمل طابعا سياسيا يرتبط بتمسكنا بهويتنا مقابل الآخر/المستعمر الغربي؛ ويتبدى ذلك بوضوح مع حديث رئيسة مؤسسة الجوائز معه عن تفضيلها لأن يكتب بالفرنسية المقروءة بشكل أكبر من العربية، واستهجان البطل الكاتب شعوريا لمجافاة العربية اللغة المقدسة والتي تحمل تاريخه وهويته، بل وقبوله لتنازلات لاحقة تدريجية تبدأ من الاجتماع ساعة صلاة الجمعة مع لجنة الإعداد للترشح للجائزة، وكأنها إشارة لبيع كل شيء يتصل بالهوية.

مخاطبة العقول .. وتربية العجول
“الجهل جعل الناس ينامون سعداء”
تشكل قضية حقوق المرأة ومعاملة المجتمع لها ركيزة في الرواية من خلال شخصية الفتاة المثقفة “زها” ابنة صديق البطل، والتي تفشل في التعيين بالجامعة رغم مؤهلاتها العلمية في مجال الزراعة فتتجه لمشروع مستقل للزراعة وتربية العجول الهجينة بين الهولندية والعربية، وتعبر عن نظرة أكثر عملية تجاه الحياة، حين تربط قيمتك بما تملكه من مال.
وبوصفها امرأة متحققة، تنتقد “زها” النظر للمرأة بوصفها جسدا فحسب “لا روحا وعقلا وكيانا متكاملا”. والغريب أنها في هذا السياق تنتمي للتيار الذي ينظر للحجاب بوصفه إكراه للمرأة ويربطه بتفشي الفساد المجتمعي، وهي نظرة سادت الخطاب العلماني التقليدي، وفيما يقر البطل هذه النظرة، لا يأتي الرفض المهتز سوى من رجل صوفي يكتفي بالقول بأن الحجاب “فرض مقدس”.
على جانب آخر نرى والدها الزبير بالبحر يتعامل مع المرأة ككيان مهيض الجناح لا حق له في سؤاله عن رغباته، تماما كما البهيمة في حظيرته، يقول: “لا تترك لها فرصة للتردد”، في الإشارة للثور/الذكر، وهو موقف ليس مستغربا من رجل طاردته الفضائح الجنسية بين طالباته في الجامعة واضطرته للاستقالة. وهو بذلك يعبر عن الروح الجاهلية داخل حتى الشعراء المحسوبين على تيار النخبة.
بل وحين نقترب من الكاتب نوفل آل فريد نفسه سنرى روح جاهلية تمسكت بإنجاب عشرة فتيات من أجل الحصول على ذكر واحد “أيوب” الذي سيحمل اسمه، وكيف تسخر منه أقداره فسقط صريعا في طفولته. تكتمل التراجيديا مع بنات البطل اللاتي تحمل أسماؤهن عناوين أحلامه في الفن والعروبة والوطنية بل والقضية الأمازيغية، لكلهن معطوبات، يعانين من إعاقات متنوعة سمعية وبصرية وحركية وفكرية، وكأنها إعاقاته الشخصية. لقد فشل في أن يكون زوجا أو أبا ناجحا، فقررت اسرته هجره للأبد وتركه مع جحيم العزلة الذي حذرته منه زوجته حين قالت “يوما ما ستكتب نهايتك”..

تلفيق الحلم
“لم يبق إلا إيمانك باستحقاقك لينصاع لك القدر”
تتبع الرواية مسار الحلم بجائزة نوبل من مقهى “المكتوب” (لا ديستنيه) والذي يهدي الكاتب روايته إليه وقد تمت إزالته في أعمال التوسعة أمام البحر. هناك التقى الكاتب نوفل بصديقيه بالبحر وبالجني؛ وكلاهما لغويان، ساهما في تزكية الحلم بنوبل داخله.
لم يفلت نوفل مناسبة إلا وكتب لها قصائده، ففاز بجوائز من عينة : “قفة رمضان” يقول فيها بلغة ركيكة: قفتي حبيبتي في شقائي نعمتي، أجد فيك مهجتي، سكري وزيتي ومربتي”، ومع ذلك لا يعدم من تصفيق أصدقائه وقرائه البسطاء.
ينام الكاتب العربي فيحلم بنفسه يعتلي سلم المجد فيما تعزف سيمفونية “نشيد الجبال العظيم”، ويتسلم من الملك السويدي الجائزة العريقة، وتتابعه شاشات العالم، فيبادر صديقه بأنها رؤيا وليست حلما، وقد أخلص للأدب بعد بيع أرضه وتخلص من كل العراقيل الوطنية. بل ويذكره بكل الذين حازوا نوبل وكيف أنهم لم يكونوا شيئا ذا بال قبلها. وهنا نحن بصدد جوقة يختارها الكاتب لتمجده وتصنع بطولته الوهمية.

ولأن رائحة الطمع تغري النصابين؛ فقد التقطت الخيط السيدة ميراج (اسمها يعني السراب)، والمدربة جيدا على أصول اللعبة، فافتتحت مؤسسة لترشيح الكتاب الوطنيين لنوبل وترجمة أعمالهم وتدبيج المقالات الصحفية عنهم بل وتدريبهم على اللياقة الحضارية للاستحقاق للجائزة العريقة، كل ذلك بمقابل مادى ضخم، وكأننا أمام عمليات صناعة كاتب من فراغ، حيث تتضافر الحملات بين وسائل التواصل ودور النشر والمهرجانات والنقاد فتصنع الهالة المطلوبة، التي سيثبت كما نرى على الغلاف أنها هاوية لا هالة، دفع الكاتب ثمنها غاليا.

مارلين مونرو في ضيعتنا
في سخرية شديدة، نقرأ مع واسيني سطورا من رواية بطله نوفل آل فريد من رواية “مارلين مونرو في ضيعتنا” والتي أراد الترشح بها للجائزة، بلغة شديدة التقعر والثقل، تنم عن غياب الموهبة، يقول فيها مثلا: “واصطرمت الانجم المترمدة في سيل من السواد المقشعر”.. وكان ذلك طبيعيا مع كاتب ظل يصمّ أذنيه عن رأي النقاد ويصفهم بـ”ولاد الكلب” لأنهم لا يحتفون بموهبته، ويكتفي بالشاعرين الذين يصادقهما وثالثهما رجل الدين المتصوف جعبوق بن فرماش والذي بنى قبة خصيصا باسم الولي الصالح نوفل آل فريد!

الرواية التي كتبها نوفل عن مانرين، مبنية على حبكة خرافية تدعي أيضا بطولة في ساحة الغرام تجمع بين نجمة الإغراء العالمية وشاب جزائري يدعى “بكر” تتحدى الرئيس كينيدي بحبه وتغامر بالسفر معه للجزائر، فيطاردها كينيدي، ويقتلها، قبل أن ينتقم لها حبيبها، وهي وإن بنيت على شائعات العلاقة بين مونرو وكينيدي، ورحيلهما المأساوي بعدها بين شبهة انتحار واغتيال، لكن رواية نوفل شطحت بعيدا وربطت حضور كينيدي للجزائر لتاييد استقلالها بتلك القصة الغرامية.

ليس هذا فحسب بل نقترب من خلال شخصية مونرو أيقونة الإغراء من فكرة الجمال الذي صدرته أمريكا للعالم عبر الشقراء البيضاء “مانرين”؛ حتى أن البطل ذاته تزوج من الفتاة التي حملت بين أوراقها صورة نجمته المفضلة.

شميسة .. النجاة بالحب
“شعرت أن كلمة حبيبي محت كلّ الغياب”

تنشأ علاقة غرامية بين كاتب نوبل المزعوم، وبين المترجمة شميسة، والتي التقاها كمضيفة في مؤسسة السيدة ميراج، وتتطور العلاقة بينهما حتى لا يكاد يتعرف على نفسه إلا من خلال عطرها ولمساتها وكأنها قد منحته اعترافا إضافيا بكونه مؤهل للحب والغرام، بعد فشل الاعتراف به ككاتب.
وبرغم أن الرواية تمنح للحب أبعادا جسدية متعجلة وعابرة، نعتقد أنها جزء من حيلة للإيقاع بالكاتب؛ لكننا نكتشف شعورا دفينا يتنازع الفتاة بالجرم الذي يُرتكب واستقالتها بعد علمها بالمؤامرة.. كما تظهر شميسة في نهاية النص كحبل النجاة الذي يلقى لنوفل في سقوطه المروّع فيدعوه للنهوض.

دراما سقوط كاتب

“أنت لا شيء.. حيوان في حلبة السادة يلعبون بك ويرمونك كما ترمى الزبالة”
لقد أعدّ نوفل آل فريد مأدبة ضخمة ودعا أصدقاءه على شرف جائزة نوبل قبل أن تُعلن ويصاب بصدمة تخطيها لاسمه فيتحول الفرح لمأتم. هنا المأدبة تشبه العشاء الأخير للمسيح بين تلامذته، وفق العقيدة المسيحية، ترتبط بالشعور بالخيانة والتآمر، وهو نفس الشعور الذي أصرّ عليه نوفل ورفاقه حين قررت المؤسسة السويدية منح الجائزة للأديبة الكورية هان كانج، والتي كرست نفسها لمناهضة انتهاك الإنسانية، عبر روايات مكتوبة بشاعرية. لكن الرفاق رأوا أن استبعاد صاحبهم – ضعيف الموهبة- مؤامرة صهيونية لأن صاحبهم تبنى قضية فلسطين، ولأنه عربي ومسلم!

خلال رحلة مطاردة الكاتب لمدام ميراج صاحبة مؤسسة “بيتنا” ومعاونيها لخديعته وسلبه أمواله، تحدث المفارقة فتلقي الشرطة القبض عليه بتهمة التعدي على شخصيات عامة، وبينما أنقذته شرطية طيبة من مصير بائس في السجن، نرى في مشهد يفيض بالأسى ويرمز لتناقضات الحياة، مشهد الكاتب وهو ملقى على الرصيف بين القطط الهائمة ويصاحبه صديقه الفنان الضائع “أنجيلوتي”، ينظران لهؤلاء الذين نصبوا عليه وهم يدخلون ككبار زوار لساحة الأوبرا بمصاحبة المدير!

العرب .. ونوبل
“آن الأوان لأن نطالب بحقنا من الرجل الذي اخترع المتفجرات لأنها أحرقتنا بقوة”
كتب بطل الرواية أنه ابن ذلك العالم الذي احترق بنيران المتفجرات التي اخترعها نوبل ممثل الحضارة الغربية، وكأنه يخبر الجائزة بحاجة العرب لان يصبح صوتهم مسموعا، ولو من بوابة الأدب.
الرواية تعيد تأمل شعورنا بالاستحقاق عبر كلمات شاب عربي سألته المذيعة هل يتوقع فوز مرشح العرب؟، فأجاب: عن أي عالم تتحدثين! في إشارة لانشغالنا بالحروب والفساد، وهو ناقوس خطر حقيقي.
كما تهمس الرواية في أذن المبدعين بأن الجوائز ليست هدف الكتابة؛ ولقد ظلت نوبل تستبعد أسماء هامة بلا مبرر سوى الانحيازات السياسية، منهم تولستوي ومارسيل بروست وفرجينيا وولف وأورويل، ولا يزال الغرب صاحب نصيب الأسد في جوائز نوبل، وبرغم محاولاتها مؤخرا للنظر لإبداع العالم.

كذب بطل الرواية حين قال: “كل الجوائز التي تحصلت عليها ركضت نحوي”؛ فقد أفنى حياته لأجل الأضواء، وفاته الاشتغال على قلمه، والالتفات لحياته التي عشش فيها الخراب .. لقد كانت جائزة نوبل هي حلم الاعتراف الذي ينقص رجل يملك حائطا من النياشين لكنه يظل ” لا شيء”.

اقرأ أيضا:

حنان سليمان: العالم لم يتعلم شيئا من إبادة البوسنة

أحلام للبيع في عالم “الجلاب”

كما فوق كما تحت .. نداء من أعماق الكون

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24972

موضوعات ذات صلة

على وجه الجنيه.. كيف تستدعي العملة الحضارة الفرعونية؟

أسماء قدري

مقترح باكستاني لوقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن

محمود كرم

قمة روحية بالإسكندرية تجدد عهود المحبة والوحدة

حازم رفعت

176 ألف طلب تصالح في مخالفات البناء بالشرقية

محمد مرسي

الإسكندرية.. الكريسماس يغازل النوة

أيمن مصطفى

مبادرة «أبواب الخير» تعم أرجاء المحافظات

أيمن مصطفى