البلد خانةسليدر

سوتر تختنق.. طلاب الإسكندرية بلا مواصلات ساعة الذروة

عند الساعة الثانية ظهراً، يتغير المشهد تماماً على كورنيش عروس البحر المتوسط، أمام منطقة سوتر في الشاطبي، حيث يفتح مجمع الكليات النظرية أبوابه، فيتدفق آلاف الطلاب والطالبات دفعة واحدة إلى الشارع. يخرج معهم الموظفون وأعضاء هيئة التدريس، وعلى بعد خطوات، يخرج رواد مكتبة الإسكندرية وزوارها. كل هؤلاء يقفون على رصيف واحد، في انتظار وسيلة مواصلات واحدة لا تأتي.

في تلك اللحظة، تتحول سوتر، تلك المنطقة التي تعد من أهم النقاط الحيوية على البحر، إلى ساحة انتظار مفتوحة، بلا مقاعد، بلا تنظيم، بلا بديل.

طالبة تمسك حقيبتها بقوة، وعيناها تتنقلان بين سيارات الأجرة المزدحمة، وأتوبيسات النقل العام التي تمر ممتلئة، وسيارات المشروع التي تفضل أن تكمل طريقها فارغة جزئياً، على أن تتوقف لتزيد الزحام. شاب يرفع هاتفه ويحاول طلب سيارة عبر تطبيق، فيجد السعر قد تضاعف، ومدة الانتظار قد تجاوزت النصف ساعة. موظف كبير في السن يقف متكئاً على سور الكورنيش، يحاول التقاط أنفاسه بعد يوم عمل طويل، ولا يجد مقعداً يجلس عليه، ولا وسيلة تقله إلى بيته. هذا المشهد لا يحدث يوماً واحداً في الأسبوع. هو يتكرر كل يوم، من السبت إلى الخميس، في نفس التوقيت، بنفس التفاصيل، وبنفس المعاناة.

زحام خانق

سوتر ليست منطقة عادية. هي نقطة التقاء ثلاث كتل بشرية ضخمة في توقيت واحد. مجمع الكليات النظرية، الذي يضم كليات الآداب والحقوق والتجارة والتربية، ويستقبل عشرات الآلاف من الطلاب يومياً. مكتبة الإسكندرية، التي تستقبل الباحثين والطلاب والزائرين من كل المحافظات. ومستشفى الشاطبي والمناطق السكنية المحيطة، التي تضيف أعداداً جديدة من المواطنين إلى الشارع.

كل هؤلاء يخرجون في توقيت متقارب، بين الواحدة والثالثة ظهراً، وهو توقيت الذروة الحقيقي للمدينة. الكورنيش في هذه المنطقة ضيق نسبياً، لا يحتمل هذا الكم من السيارات المتوقفة بشكل عشوائي، ولا يحتمل هذا العدد من المشاة الذين يضطرون للنزول إلى نهر الطريق بحثاً عن مواصلة.

يقول أحمد، طالب بكلية الحقوق: «بنخرج من المحاضرة تعبانين، وبنقف ساعة وساعة ونص على البحر، ومفيش مشروع بيقف. اللي بيقف بيبقى مليان، واللي فاضي بيقولك مش طالع من هنا».

وتقول منى، طالبة بكلية الآداب: «أنا ساكنة في العجمي، وبضطر أركب مواصلتين وتلاتة، ولو ملقيتش مشروع من سوتر، يومي كله بيضيع في الشارع».

أما الموظفون، فلهم معاناة أخرى. فالموظف الذي يخرج في الثانية ظهراً، لا يبحث فقط عن مواصلة، هو يبحث عن وسيلة تحترم وقته، وتعيد له شيئاً من طاقته بعد يوم عمل مرهق.

انتظار طويل

المشكلة في سوتر لا تتعلق فقط بعدد السيارات. هي تتعلق بالتنظيم، وبالعدالة في توزيع خطوط السير؛ فسيارات المشروع التي تأتي من المنشية باتجاه سيدي جابر، تمر على سوتر وهي ممتلئة بالكامل، لأنها حملت ركابها من البداية. بينما سيارات أخرى تتجه إلى محطة مصر، لا تجد من ينظم وقوفها، فيقف السائق دقائق طويلة، يعطل الطريق، ثم يتحرك بثلاثة ركاب فقط.

الأتوبيسات العامة، التي ينتظرها الجميع كحل جماعي، لا تعمل بنفس الكثافة في توقيت الذروة. بعضها يتأخر، وبعضها لا يتوقف أصلاً بسبب الزحام. والنتيجة، أن الطالب يقف، والموظف يقف، والزائر يقف، والجميع ينظرون إلى البحر، وكأن البحر وحده هو من يستمع إليهم.

يقول سائق مشروع، طلب عدم ذكر اسمه: «أنا لو وقفت في سوتر ساعة الذروة، هتحبس في الزحمة، والمرور هيخالفني. عشان كده بفضل أكمل، واللي عايز يركب يركب من المنشية أو من الشاطبي». هذه الجملة تلخص أزمة كاملة. السائق يهرب من الزحام، والراكب يدفع ثمن الهروب.

وفي المساء، تتكرر المأساة بشكل مختلف. طلاب الدراسات العليا، ورواد المكتبة، والموظفون في الفترة المسائية، يجدون نفس المشهد، لكن مع ظلام أخف، وانتظار أطول، وأجرة أعلى.

غياب التنظيم

عندما سألنا المواطنين في سوتر عن الحل، لم يطلب أحد المستحيل. لم يطلب أحد كوبري جديداً، ولا نفقاً، ولا مشروعاً عملاقاً. طلبوا فقط تنظيماً. نقطة توقف محددة ومعلنة، يقف فيها المشروع والأتوبيس. وموظف مرور ينظم الصعود والنزول في ساعة الذروة. جدول واضح لحركة الأتوبيسات في أوقات خروج الطلاب. خط سير إضافي يبدأ من سوتر نفسها، ويتجه إلى العجمي والعوايد ومحطة مصر، ليمتص هذا الكم الهائل من الركاب.

أحد أساتذة كلية الآداب قال لنا: «سوتر منطقة تعليم وثقافة، فيها جامعة وفيها مكتبة عالمية. لا يليق أبداً أن تكون نقطة سوداء في المواصلات. الحل يبدأ من الاعتراف بالمشكلة، ثم تنظيمها». هذا الاعتراف هو أول خطوة. فالمنطقة لا تعاني من قلة عدد السيارات في المدينة، هي تعاني من غياب نقطة انطلاق منظمة. فلو انطلقت سيارات المشروع من سوتر نفسها، في توقيت الذروة، لانتهت الأزمة في أيام.

أما الآن، فالطالب الذي يريد العودة إلى بيته، يضطر إلى السير على قدميه حتى محطة الشاطبي، أو حتى محطة الرمل، بحثاً عن مواصلة، في رحلة مشي مرهقة، تضاف إلى رحلة الانتظار.

حلول مطلوبة

في الإسكندرية، لا يمكن الحديث عن مدينة سياحية وتعليمية وثقافية، بينما يقف آلاف الطلاب على البحر في الشمس والبرد، بلا مواصلات، في ساعة الذروة. المفارقة هنا واضحة. المدينة التي تستقبل العالم في مكتبتها وجامعتها، تترك أبناءها على الرصيف، يبحثون عن وسيلة تنقلهم إلى بيوتهم. والحلول، رغم ذلك، موجودة، وبسيطة، وقابلة للتنفيذ فوراً، ولا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة، قدر ما تحتاج إلى قرار تنظيمي، وتنسيق بين الجهات المعنية.

في مقدمة هذه الحلول، يأتي تخصيص محطة مواقف مؤقتة في سوتر خلال ساعات الذروة، من الواحدة إلى الرابعة عصراً، لسيارات المشروع المتجهة إلى محطة مصر والعجمي والعوايد وسيدي جابر، ليمتص هذا الخط الضغط المتزايد في وقت واحد، ويمنح الطلاب نقطة انطلاق واضحة بدلاً من الوقوف العشوائي على الكورنيش.

وفي السياق نفسه، تبرز الحاجة إلى زيادة عدد الأتوبيسات على خط الكورنيش في توقيت خروج الطلاب، مع إلزامها بالتوقف في سوتر، حتى لا تمر على الطلاب وهي ممتلئة، أو تتجاوزهم دون توقف، فيتحول الأتوبيس من حل جماعي إلى مشهد يزيد الإحباط.

وبالتوازي مع ذلك، يصبح التواجد المروري الثابت في المنطقة ضرورة لا رفاهية، لمنع الوقوف العشوائي، وتنظيم صعود الركاب، ومنع استغلال بعض السائقين للطلاب برفع الأجرة في وقت الأزمة، وهي ممارسات تتكرر كل يوم أمام الجميع.

وفي الإطار ذاته، لا يمكن أن تنجح أي من هذه الخطوات دون تنسيق مؤسسي حقيقي، بين جامعة ومكتبة ومحافظة الإسكندرية وإدارة المواقف، لوضع جدول مواعيد خروج مرن، يخفف الضغط في وقت واحد، ويوزع الكثافة على أكثر من توقيت، بدلاً من خروج الجميع في لحظة واحدة.

في سوتر، يقف الطالب اليوم، وغداً سيقف ابنه، إذا لم نتحرك. القضية ليست أجرة، ولا مواصلة. هي قضية احترام وقت مواطن، وكرامة طالب علم، وصورة مدينة يفترض أن تكون عاصمة للثقافة والتعليم. فالطلاب لم يطلبوا المستحيل. طلبوا فقط أن يجدوا مواصلة، عندما يخرجون من باب كليتهم، في ساعة الذروة، على البحر، أمام مجمع الكليات. فهل سيصل صوتهم هذه المرة؟

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=28121

موضوعات ذات صلة

مافيا الأسفلت.. متى تنتهي سطوة السايس؟

أيمن مصطفى

عبد الرحمن طلبة.. ذهبٌ مصري في غلاف الفضة

أيمن مصطفى

ريتا بربارة لـ”صوت البلد”: نجوت وأصبحت أميرة

أيمن مصطفى

وليد جمال الدين : الحكومة تحسم بيع أرض السخنة لقطر

كحك العيد.. فرحة «اللمة» تهزم الجاهز

أيمن مصطفى

حصاد جولة وزير العمل بالإسكندرية

أيمن مصطفى