ثقافة وأدبسليدر

في بيتنا لا نكتب المذكرات.. رحلة عتق من الشرنقة

تحلم كل فتاة بالفستان الأبيض وفارس الأحلام الذي تبدأ معه سيرة القلب ويبنيان عشّهما الدافيء ويعمّرانه بالحب والذريّة. بمرور الوقت، يتحول الحلم الوردي لقيدٍ يحاصر الفتيات للقبول بمن يدقّ الباب، وإلا طاردتهن نظرات الشفقة على “التي فاتها القطار”، وكأن كل من لحقن به قد حزن السعادة للأبد.

في روايتها “في بيتنا لا نكتب المذكرات”، والصادر عن دار “نهضة مصر”؛ نقترب من رحلة شقيقتين لاستعادة ذاتهما الضائعة. وقد نشأتا داخل شرنقة بيت صارم؛ تصدعت فيه جسور المحبة. وبينما كتبت الأقدار لإحدى الشقيقتين زواجا مريحا في الخليج، ظلّت الأخت الأكبر ذات العقل والجمال، تحصي سنوات عمرها المهدرة مع طابور الخّطاب الذي تنتهي كل حلقاته بالفشل.

سمعا وطاعة
“انا دمية أمي الصماء؛ تكبرها وتعطرها وتعد لها ألف عرس وهمي”

منذ عتبة العنوان؛ نرى الخضوع للسلطة في بيت المستشار القانوني منصور وزوجته الأستاذة سهير معلّمة الكيمياء، حيث لا مجال فيه لغير “السمع والطاعة“. هل ذكرتنا هذه العبارة بشيء ما؟!، نعم هو بالضبط ما نلاحظه حين توسّع الكاتبة العدسة فنرى تسلط الأستاذ في جامعة البطلة، ونرى تسلط جماعة دينية تسجن أعضاءها في سجن الطاعة، وتفشل في إدارة البلاد خلال العام الذي حكمت فيه.
ومع التزام البطلة الديني، يبدأ احتكاكها بتيار الإسلاميين، كما تراقب حولها ظواهر استقطاب حادة وعنف مجتمعي، وتحالف الجماعة الوسطية مع التيار المتطرف للدفاع عن وجودهم، على حين نرى اتجاه دعاة متشددين للانسلاخ وارتداء عباءة التنوير فجأة، وإطلاق فتاوى لا علاقة لها بالدين، وهو ما فجر أزمة ثقة حادة داخل أوساط مريديهم وبينهم البطلة وصاحباتها.

من هذا الاضطراب نراقب مع الرواية اضطرابا وجوديا أعمق لأبناء الخوف خاصة حين تهتز علاقة البطلة بوالدها الذي تحولت علاقته ببناته وبيته لفتور تام؛ وكيف انعكس ذلك في استشعار أنها “مطرودة من رحمة الله”، أو ركن الأمان الأعظم، فتجلد روحها كلما فاتتها صلاة أو حتى كبرت ولم تتزوج، وكأنها علامات غضب إلهي. وكأن باب محبة النفس ظل مغلقا بغياب الصلح مع الذات ومع السماء!

صوت العقل والروح
“ألست القائلة أن الحب تسلسل كيميائي؟ .. “

الرواية تقوم على سرد متوازٍ بين البطلة نيرفانا وشقيقتها، وتجسدان نموذجين للشخصية العقلانية والعاطفية. وعلى حين نستمع للبطلة وهي تخاطبنا مباشرة بلسان المتكلم، تسرد الرواية بلسان الراوي العليم حياة مروة شقيقتها، والتي ظلت تشعر أنها مجرد تابع لأختها ينقصها البطولة.

لغة الرواية تعبر عن تيار السرد الحديث، سواء في استدعاءاته الحرة من الذاكرة، أو في عذوبة وأصالة وانسيابية المعجم الفصيح، والمتقاطعة مع جمل تنتمي للحياة العصرية خفيفة الظل من عينة “عام القرد” و”استوديو التحليل” وهي إشارات لطقوس استقبال العرسان، وتظهر كثيرًا في المونولوج داخل البطلة، وهذا النمط السردي العفوي يزداد وضوحا في مذكرات مروة السرية “#تدريب على الكتابة”.

يزخر النص كذلك بدائرة معارف مصغرة عن الحب والزواج، شرقا وغربا، وهو ما يعبر عن وعي بطلة تنظر للعالم بمنظار العلم والدين، دون أن تدعه يلمس روحها.

تحت المجهر
“كالعادة تقتلني الحكاية”

نيرفانا في الثقافة الآسيوية هي الانعتاق عن الدنيا لتحقيق السعادة الروحية، ولقد سعت البطلة بالفعل للتحرر من أسر النفس والآخرين، أسر القيد والمطاردة باسم المحبة، صورة أمها التي شكلت مختبر الأنوثة وصورة صديقتها التي اختبرت معها الأمومة، وكلتاهما خذلتاها، الأولى حين تحولت لضحية قهر أبيها، والثانية بكتم خبر إنجابها لتوأم خشية حسد صديقة العمر غير المتزوجة.

كانت نيرفانا تعيش وجع العالم قبل وجعها؛ تبيت تبكي قهر الرجال بعد احتلال العراق، وتحضر دروس العلم الشرعي، وتحمل المسئولية عن زميلاتها في صيدلية المستشفى، لم تلتقط أنفاسها ولم ينصحها أحد بأن حياتنا تكدرها العدسة المكبرة التي تسجن صاحبها، تماما كما ظلت تحلم بنساء يلدن لأنها راقبت معاناة سيدة لأجل الخلفة، وهكذا ظلت تردد كلما توحدت مع قصة “كالعادة تقتلني الحكاية”.

والبطلة أيضا ضحية انفصال صامت بين الأم والأب، ورأت أن مصير الحب هو الفشل تماما كما فشلت أمها في الاحتفاظ بأبيها الذي ولى شطر حبيبته القديمة أستاذة القانون الجميلة فمنحها قلبه كاملا وأسمى ابنته على اسمها. صحيح ظلت الزوجة الأولى محتفظة بوجوده الشكلي لأجل بناتها لكنها جرعتهن مرارة شعورها بالقهر.

البوح ملاذا
“اكتبي خوفك تقتليه”

في الرواية، يصبح البوح ملاذا لكلتا الشقيقتين؛ راحت نيرفانا تبوح لذاتها ولصديقة عمرها ميمي- قبل أن تتزوج وتهاجر كندا فتتركها – وهي من لم تكن تملك قدرة على تدوين مشاعرها في بيت تحاسب فيه الأم المعلمة على المشطوب من الإجابة قبل المكتوب.

كان بوح مروة على النقيض متحررًا في سكن الزوجية والذي بدأت فيه تكتشف ذاتها وجسدها ومشاعرها. وبرغم حالة السكينة التي غمرتها في المدينة المنورة، كانت وحدتها بين جدران مصمتة وزوج أشد صمتا، أول دافع للكتابة عبر ملفات غير محفوظة كذاكرة لصندوق أسود متأرجحة تعترف فيها بلا مواربة، حنقها من زوجها أحيانا أو غيرتها من شقيقتها نجمة بيتهم التي انمحت بجانبها، والتي تظل في الوقت ذاته ملهمتها الوحيدة.

مع الزواج عرفت مروة طعم الحب مع زوجٍ استوعب مخاوفها وأشعرها بأنها متوجة في قلبه، ليس هذا فحسب بل كونه عاشق للكتب، أزكى عقلها بأفكار للأدباء الكبار، وصارا يتناقشان عن محفوظ واسبينوزا، فنمت محبة من نوع جديد، ووجد خيالها الجامح شرارة تحفزه وتثقله في رحلة التدوين.

هكذا يمثل البوح للبطلتين الطريق لتفكيك جذور معاناتها؛ وتصير الكتابة حبل نجاة وتشافي لأنها تجعلك تضع روحك أمامك على الصفحة البيضاء.

اختبار الحياة
“في قلبي شعور أني وصلت بعد إغلاق الدكاكين. دكاكين الحب والأبوة والأسرار”

تعكس الرواية أنماطا للشباب الذين نشأوا في ظرف اجتماعي مضطرب؛ ومنهم “وائل” الذي يبدي الالتزام الديني الظاهري لكن نظراته وسلوكه تسودهما شهوانية، “كوحش يتشمم فريسته”، فيما نراه من جديد منسحقا امام سلطة اكبر، وهي سطوة والده الذي يفوقه همجية.

هكذا مع لغة الجسد الصرفة يزداد نفور البطلة أيضا من الارتباط، والذي يفتقد للتوافق الروحي، ويترسخ داخلها أن أوان الحب في قلبها فات، حتى لمن كانت ستتمناه لو جاءها قبل سنوات، كالمهندس عمر الذي يصغرها ويعيش في لندن، والذي يعني قبولها له مرحلة حرب جديدة مع أسرته.

لكن وبالعودة للشقيقتين، وزيارة مروة لبيت مصر تمهيدا لولادتها، يبدأ اختبار مشاعر الاختين أيضا، ونرى رسم شخصيات يختلط فيها الخير والشر؛ فبرغم غيرة مروة القاتلة من “نانا” وخوفها على زوجها من الانبهار بها، لم يمنعها في الوقت ذاته من أن تتحرق قلقا عليها من كل عريس قد يتعسها، هكذا تعترف لنفسها “لست ملاكا” لكنها أيضا لم تكن شيطانة.

ثمن الغربة

تأخذنا الرواية من خلال احتكاك العائلتين، لأبعاد اجتماعية تتعلق بما تصنعه الغربة داخل الأسر. وحين نتأمل حديث “بهيرة” والدة تامر، والتي تمثل سلطة جديدة ناعمة. سنرى كيف أشعلت المقارنات داخل مروة بين أمها التي ظلت ترشد كل قرش وبذخ حماتها في شراء العقارات والرفاهيات. أيضا أفرز هذا الوضع عن توزيع أدوار للآباء أنفسهم بين من يغتربون لجني المال ومن يعوضون هذا الغياب، وهو ما تكرره الشقيقتان لاحقا، وكأنه قدر مكتوب!.

كان “تامر” ضحية هذه الغربة، مع التشتت التعليمي ومعاناة المقارنات بينه وبين المهندس “عمر” ابن خالته، ربما يفسر ذلك حالة الصمت التي تغلف شخصيته “كمن يقف في شرفة يراقب الحياة”، وربما كانت حياته في مصر بوابة للخروج من هذه العزلة.

خارج الحسابات
“متى نحب عند أي نقطة على خريطة وعينا نقول هنا: بدأنا؟

بعد أن تجرعت كل الهزائم حتى عتبة الثلاثين، كتبت نيرفانا حبكة مغايرة لما رسمتها شقيقتها لحياتها. اختار قلبها من رفضته قديما، حوار عفوي جمع بين من أيقنا أن “الدنيا خربت”. سألته عن رأيه في شاب متقدم لها، فسمعت صوت قلبه لا لسانه.

وبينما كانت تسعى لدراسة التربية تمهيدا لتغيير حياتها، منحتها الأقدار هذا اللقاء الذي يعد فرصة ثانية أثبتت كيف صار “أكرم” أقل نرجسية وتشددا ، فتحول الفقيه المجتهد لتدريس التفكير النقدي، فيما صارت هي أكثر روحانية وعفوية وقبولا لوقف دوامة المعرفة القهرية التي تطن في رأسها .

ميلاد جديد
“نجونا وإن لم نبرأ تماما”

في الرواية نرى كيف تثقل التجربة النساء؛ فتكسب الأولى الروح وتكسب الثانية المعرفة. هذا الميلاد قد أعاد الوصل بينهما “بمزيد من العاطفة لا التنظير”، وأعاد لبيتهم شيء من السكر وسط واقع مر.
حين رحلت نيرفانا زوجة الأب وغريمة الأم الأزلية، سنرى أيضا كيف اختارت الأستاذة سهير نهاية أخرى للحبكة المتوقعة لقصتها مع الزوج الغائب، وكأن عهدها بالخضوع ولى!.

تكشف الرواية كيف توقفت عجلة الأحكام في رأس نيرفانا فآمنت باستحقاقها للحب والحياة؟ وما القرار الذي اتخذته شقيقتها بشأن صندوقها الأسود الذي يطوي اعترافاتها، بعد 16 عاما من تدريبات الكتابة والنشر .. فهل تصبح ملفاتنا السرية قابلة لإعادة التفسير وتوزيع البطولة أو ربما المحو والغفران؟ ومتى يمكن أن يصبح البيت/المجتمع، ساحات آمنة لمراجعة الذات؟

اقرأ أيضا

“لا عناوين في المدينة”.. ذاكرة حواء تتحدى جيش الإبادة

“مستر ولا شيء”.. نوبل والهوس العربي بالاعتراف

“الجلاب”.. أحلام للبيع ووعود بلا ثمن

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=25720

موضوعات ذات صلة

أسود التيرانجا تنهي حلم الفراعنة بهدف قاتل

أيمن مصطفى

سوسن بدر تنضم رسميًا إلى بطولة فيلم حين يكتب الحب

المحرر

فاصل من اللحظات اللذيذة.. يوتوبيا زائفة وواقع مأزوم

سارة الدسوقى

سر قديم يشعل صراع “أولاد الراعي” في رمضان

رفيق.. منصة جديدة لمتابعة حجاج السياحة المصريين

نجوى سليم

الشرقية : طوارئ لاستقبال أعياد الربيع وشم النسيم

محمد مرسي