ثقافة وأدبسليدر

الصغير وصفوت: الذكاء الاصطناعي بين الإبداع والخطر الوجودي

يمر المشهد الثقافي والأدبي الراهن بتحول مفصلي مع تغلغل تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات الكتابة والإبداع والنقد. وبينما يتغذى هذا الذكاء على الأرشيف والتاريخ الإنساني ليصوغ نصوصًا تحاكي المنجز الإنساني، يطرح المبدعون والنقاد أسئلة وجودية وفلسفية حول طبيعة النص، واستقلالية الذائقة الجمالية، ومستقبل المؤلف في عصر البيانات.

التجربة والمحاكاة

تظل المسافة قائمة وممتدة بين نص نابع من معاناة إنسانية حقيقية، وآخر صاغته معادلة رياضية. إذ أشار د. أحمد الصغير إلى أن الفرق الأساسي يكمن في أن الإنسان يكتب من داخل التجربة، بينما يكتب الذكاء الاصطناعي عنها من خارجها. فحين يتناول المبدع مشاعر الحزن أو الفقد أو الحب أو الخوف، فإنه لا يتعامل معها باعتبارها مجرد مفردات، بل تجارب حية تركت أثرها في وعيه وذاكرته. فالشاعر الذي يكتب عن الموت ينطلق من فقدٍ أو خوفٍ حقيقي عاشه وظل يطارده سنوات، مما يمنح النص بُعدًا عميقًا لا يُختزل في الكلمات، بينما يمتلك الذكاء الاصطناعي معرفة واسعة بكل ما كُتب دون أن يمتلك حياة خاصة أو قدرة على الشعور، فيحاكي الألم والدفء دون أن يتألم أو يحب أو يفقد.

تسطيح الذائقة 

هذا الفارق لا يعني بالضرورة ضعف كل ما تنتجه التقنية، بل قد يقدم الذكاء الاصطناعي نصوصًا جيدة فنيًا، غير أن القيمة الحقيقية تظل مرتبطة بالإنسان الذي يوجه الآلة ويمنحها الخصوصية والدلالة. أما التخوف من تسطيح الذائقة العامة لدى الجيل الجديد فهو احتمال قائم إذا تم التعامل مع التقنية كبديل للقراءة والتفكير، واعتيد على كل ما هو سريع وجاهز. ورغم أن الذكاء الاصطناعي وحده لن يدمر الذائقة الجمالية -التي تتغير وتتطور كما حدث تاريخيًا مع ظهور السينما والتلفزيون والإنترنت- فإن التحدي يكمن في غياب الوعي النقدي، مما يلقي بمسؤولية أكبر على المؤسسات التعليمية والثقافية لتعليم الأجيال كيفية الاستفادة من التكنولوجيا دون الخضوع التام لها.

وأكد الصغير أن الذكاء الاصطناعي سيغير شكل الأدب وطريقة كتابته وتلقيه، وربما سيعيد هذا التحول صياغة مفهوم الكاتب ليصبح هو صاحب الرؤية والتوجيه، مشددًا على أن السؤال الأهم ليس عن قدرة الآلة على الكتابة، بل عن قدرتها على عيش التجربة التي تجعل الإنسان في حاجة أصيلة إلى الإبداع.

زمن اللايقين 

من جهته، تناول الناقد مدحت صفوت الأزمة المعرفية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، مستشهدًا بتساؤل طرحته كريستل لوجان مديرة تحرير مجلة She Reads، عن الجدوى الوجودية للقراءة البشرية في عصر تستطيع فيه الخوارزميات قراءة كافة أشكال الأدب والمجلات العلمية وتحليل تفضيلات المستخدمين لتقديم توصيات مخصصة؛ وهو تحول ثوري يتجاوز مجرد الرقمنة. وتضع هذه الوضعية المعرفية العقل البشري أمام تهديد لمركزيته -كما أشارت الناقدة زهور كرام- لينتقل الإنسان من زمن اليقين الذي أسست له الحداثة إلى زمن الاحتمال واللا يقين الذي تفرضه الخوارزميات الذكية.

وعلى مستوى إعادة تعريف المبدع والمعايير النقدية، لفت إلى الرؤى التنظيرية المعاصرة التي تؤسس لمفهوم الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه وسيطًا يمتلك معرفة موسوعية بتاريخ الفن؛ حيث يعلن المنظّر ليف مانوفيتش في كتابه “الجماليات الاصطناعية: الذكاء الاصطناعي التوليدي والفن والإعلام البصري”، انتقال الجماليات من عصر “الاستنساخ الميكانيكي” عند والتر بنجامين إلى عصر “التغاير الآلي” الذي تولّد فيه الآلة تنويعات لا نهائية تفرض على المبدع التنازل عن جزء من سيطرته الإبداعية. وتمتد المقاربات الفلسفية-كما تذهب الناقدة نانسي كاثرين هايلز عبر كتابها “من البكتيريا إلى الذكاء الاصطناعي”- لتعتبر الإدراك وتشكيل المعنى عملية متكاملة تشمل الذكاء الاصطناعي باعتباره متكافلًا غير بشري يشارك الإنسان في نسج دلالات العالم.

مخاطر وجودية

ونوه إلى أن المخاطر التي يفرضها الذكاء الاصطناعي ليست مجرد نظريات، بل واقع تجسد جليًا في إضراب نحو 11 ألف كاتب سينمائي وتلفزيوني بالولايات المتحدة عام 2023 احتجاجًا على هيمنة التقنية على صناعة الترفيه والإنتاج الكتابي، يعقبه تسريح العمال في مؤسسات صحفية وإعلامية كبرى، مثل Insider وCNET وBuzzfeed، واجتياح الكتب المصنوعة آليًا لمنصات النشر الذاتي. وتؤكد هذه الشواهد أن الذكاء الاصطناعي أضحى محركًا رئيسيًا لمخاطر تُصنع ذاتيًا نتيجة السعي الحثيث للتقدم التقني، وسواء قَبَلنا أم أبينا فإن الذكاء الاصطناعي آت لا محالة.

واختتم صفوت بالدعوة إلى وقفة نقدية حيث يصبح المجتمع في حالة من “التفكير في الذات” لمراجعة عواقب هذه الابتكارات وإدارة أخطارها، مستشهدًا بتحذيرات الفيلسوف نيك بوستروم في كتابه الذكاء الفائق: مسارات ومخاطر واستراتيجيات، حول خطورة الذكاء الفائق في حال تطوير الآلات لنفسها وتجاوزها للذكاء الإنساني، مما يحتم صياغة رؤية نقدية واستراتيجية تحمي أسس الوجود البشري والفني.

اقرأ أيضًا: 

صاحب مدرسة الجن: “أخيطُ الشيبَ ظلًا” لأهزمَ مرآةَ الزمنِ

نقاد وأدباء: المثقف تحول من قائد تنويري لـ”إيفيه”

شريف صالح: “مجانين أم كلثوم” انحياز للضلع الرابع

مراد عباس: فخ “الاستهلاك الثقافي” أخطر ما يواجه الشباب

تامر عبد العزيز: التبعية أخطر أزمات النقد العربي

الوحش الذي يسكنك.. بين سجن الخوف ومفاتيح الترويض

لوحة دومييه.. مرافعة غاب عنها القضاة وحضر المحامي

غرنيكا.. لوحة بيكاسو التي فضحت وحشية الحرب

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=23208

موضوعات ذات صلة

وحدة القسطرة القلبية بالزقازيق العام خليه نحل

محمد مرسي

خالد جلال : الزمالك يمر بمرحلة دقيقة

محمود المهدي

5 خطوات عاجلة في حالة فقدان هاتفك المحمول

مروة رزق

يوم القر وبداية التشريق في رحلة الأشواق

أيمن مصطفى

تطوير التعليم اللاهوتي الانجيلي ومعايير الاعتماد المؤسسي

حازم رفعت

نداهة أصيل .. ترجمة ذات تتوق إلى النور والانتماء

المحرر