دين ودنيا

مصطفى شلبي لـ”صوت البلد”: المحتكر ملعون في الدنيا والآخرة

تمر المجتمعات عبر تاريخها بمنعطفات اقتصادية صعبة، تضع قيمها الدينية والأخلاقية على محك الاختبار. وفي ظل التحديات الراهنة وموجات الغلاء التي تشهدها الأسواق، تبرز الحاجة الملحة لبيان الرؤية الشرعية والفقهية الكفيلة بضبط حركة الأسواق وحماية الأقوات من جشع المستغلين.

حول “فقه الأزمات الاقتصادية” وضوابط الاحتكار، والتسعير، والمسؤولية المجتمعية للتجار ورجال الأعمال، التقت بوابة “صوت البلد” الإلكترونية بفضيلة الشيخ مصطفى شلبي الأزهري، الذي فتح قلبه وعقله ليضع النقاط فوق الحروف، مستنداً إلى محكم التنزيل وصحيح السنة وآراء جهابذة الفقه الإسلامي، ليقدم لـ”الأسرة المصرية” و”التاجر المسلم” روشتة شرعية واضحة المعالم للعبور من هذه الأزمات.

 كيف ينظر الفقه الإسلامي إلى ظاهرة احتكار السلع لرفع أسعارها، وما حكم الدين في التاجر المستغل؟

في البداية يجب أن نؤكد أن الأمن الغذائي والمعيشي للناس من الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لحمايتها. والاحتِكار في المنظور الفقهي هو: “حبس السلع التي يحتاج إليها الناس انتظاراً لارتفاع أسعارها، تحقيقاً للربح السريع على حساب حاجات المجتمع وآلامه”.

وهذا السلوك ليس مجرد شطارة تجارية كما يظن البعض، بل هو خطيئة شرعية كبرى توعد الشارع الحكيم فاعلها بالوعيد الشديد؛ فقد قال النبي ﷺ صراحة: «من احتكر فهو خاطئ»، وفي رواية أخرى: «لا يحتكر إلا خاطئ»، وقال ﷺ كذلك: «المحتكر ملعون». وكلمة “الخاطئ” هنا في لغة الشرع لا تعني الخطأ العفوي، بل تعني الآثم المذنب مرتكب الكبيرة.

وفي أوقات الأزمات والشدائد، تشتد حرمة الاحتكار ويعظم إثمه؛ لأن المحتكر هنا لا يضر فرداً أو بضعة أفراد، بل يلحق الضرر بالمجتمع كله، ويستغل حاجة الناس وضعفهم واضطرارهم، وهو ما ينسحب أيضاً على “المستغل” الذي يرفع الأسعار رفعاً فاحشاً دون احتكار، فهو ظالم يأكل أموال الناس بالباطل.

يثار تساؤل بين المواطنين: هل تُقبل عبادات هذا التاجر المحتكر وصداقاته وأموال حجه وعمرته؟

هذا سؤال دقيق، والأصل الفقهي فيه أن العبادات المستوفية لأركانها وشروطها من صلاة وصيام تُجزئ صاحبها وتسقط عنه الفرض من الناحية الظاهرية، لكن المعصية والظلم ينقصان الأجر والبركة، وقد يحرمان العبد من ثواب العمل بالكامل.

فلا نقول إن صلاته باطلة فقهياً، وإنما نقول: إنه آثم بظلمه واحتكاره واستغلاله، وأمواله مشوبة بالحرام، فالإنسان قد يجتمع فيه طاعة ومعصية في آن واحد، وهو مطالب شرعاً بالتوبة النصوح ورد المظالم إلى أهلها والكف عن استغلال أقوات الناس، فالله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، والمحتكر يعاون على الإثم والعدوان.

حدود ربح التاجر

يقوم بعض التجار بمضاعفة الأسعار بحجة أن السوق حر.. فهل حدد الإسلام نسبة معينة لربح التاجر لا يجوز تخطيها؟

من المهم جداً بيان أن الشريعة الإسلامية اتسمت بالمرونة والواقعية؛ ولذلك لم تضع نسبة مئوية محددة وثابتة للربح، كأن نقول “الثلث” أو “الربع” كحد أقصى مطلق؛ فلم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية المطهرة تحديد سقف عام للربح، بل ترك الإسلام ذلك لعوامل السوق الطبيعية القائمة على العرض والطلب المشهود، واختلاف طبيعة السلع، والمخاطر، والتكاليف، والجهد المبذول من تاجر لآخر.

لكن، وهنا نضع خطاً فاصلاً، حيث إن الحرية الاقتصادية في الإسلام ليست حرية مطلقة أو فوضوية، بل هي مقيدة بجملة من الضوابط الأخلاقية والشرعية الصارمة، وأهمها: الصدق والأمانة، عدم الغش والتدليس، كسر الاحتكار، وعدم الاستغلال الفاحش لحاجة المستهلك والالتزام بالعرف والعدالة. ولهذا قرر علماؤنا أن الربح جائز ومشروع ما لم يتحول إلى ظلم أو إضرار بعامة الناس؛ فالإسلام يوازن دائماً بين حماية حق التاجر في الربح العادل، وحماية المجتمع من الجشع.

التسعير الجبري

 

من القضايا الفقهية الشائكة قضية “التسعير الجبري”.. متى يحق للدولة التدخل لفرض أسعار محددة للسلع؟

الأصل الأصيل في الفقه الإسلامي هو عدم التسعير تماشياً مع الحرية الاقتصادية العادلة، ولنا في ذلك أصل، فعندما غلت الأسعار في عهد الرسول ﷺ وطلب منه الناس أن يحدد لهم الأسعار، قال: «إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق». والسبب في ذلك أن الأسعار في ذلك الوقت كانت تتحرك بصورة طبيعية نتيجة قلة البضائع أو الظروف الجوية دون تلاعب أو ظلم من التجار.

لكن جمهور المحققين من الفقهاء، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، قرروا قانوناً فقهياً عظيماً، وهو أن للدولة حق التدخل الفوري لفرض “التسعير الجبري” إذا وقع الظلم والتلاعب في السوق.

ومن صور هذا التلاعب: احتكار السلع، أو اتفاق التجار سراً على رفع الأسعار لتعطيش السوق، أو امتناعهم عن بيع السلع الضرورية للناس، أو المغالاة الفاحشة الناتجة عن الأزمات والكوارث الاقتصادية، فإذا تعين التسعير كطريقة وحيدة لتحقيق العدالة ومنع الضرر العام، جاز لولي الأمر التدخل، بل قد يجب عليه ذلك شرعاً، فالقاعدة الفقهية الذهبية تقول: “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”.

فقه الأولويات

في ظل هذه التحديات.. كيف تدير الأسرة المصرية ميزانيتها من منظور إسلامي؟

السلاح الشرعي والعملي لكل أسرة في وقت الأزمات هو ما نسميه في الفقه بـ”فقه الأولويات”، والذي يفرض تقديم الضروريات على الكماليات؛ فالطعام الأساسي، والعلاج، والتعليم، والسكن الآمن، مقدم شرعاً وعقلاً على المظاهر والترف والكماليات التي يمكن الاستغناء عنها، مع ضرورة تجنب الاستهلاك الاستعراضي تماماً والتخلي عن ثقافة التفاخر وشراء الأشياء لمجرد المباهاة الاجتماعية طاعةً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

كما يتطلب هذا الفقه التخطيط المسبق عبر وضع ميزانية واضحة ومحددة تنظم الأولويات الشهرية بدقة قبل الشروع في الإنفاق، وترشيد المباحات بتقليل الاستهلاك حتى في الأمور المتاحة دون الوقوع في البخل والتضييق غير المشروع على الأبناء، والاعتماد بشكل كامل على البدائل المحلية والمناسبة والبعد التام عن ثقافة التقليد الأعمى التي تدفع الأسر للإنفاق فوق طاقتها؛ فالمنهج الإسلامي لا يدعو أبداً إلى الحرمان، بل يدعو إلى الحكمة والتعقل في إدارة الموارد دون إفراط أو تفريط.

تكافل الأغنياء

 ما هي المسؤولية الشرعية والمجتمعية التي تقع على عاتق الأغنياء ورجال الأعمال في هذه المرحلة؟

يجب أن يعلم الجميع أن الأزمة الاقتصادية ليست اختباراً لصبر وسكينة الفقراء وحدهم، بل هي اختبار أشد لضمائر الأغنياء وأصحاب الثروات ليتبين مدى شعورهم بالمسؤولية تجاه مجتمعهم ووطنهم. وفي أوقات الأزمات، تتأكد هذه المسؤولية وتنقسم إلى شقين:

الشق الأول: الواجبات الشرعية الملزمة، وتتمثل في إخراج الزكاة الواجبة دون تأخير وتوجيهها لمستحقيها، والوفاء الكامل بحقوق العاملين والموظفين لديهم وعدم المساس بأجورهم، فضلاً عن عدم استغلال حاجة المستهلكين.

الشق الثاني: الواجبات المجتمعية والأخلاقية، وتشمل التوسع في الصدقات التطوعية، ودعم الأسر المتعففة التي لا تسأل الناس إلحافاً، والمساهمة الفعالة في توفير السلع الأساسية بأسعار مخفضة، وإنشاء صناديق التكافل المجتمعي في الأحياء والقرى.

لقد وصف القرآن الكريم المجتمع المؤمن المتكافل بأبهى صورة فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، وقال النبي ﷺ مسناً وموجهاً: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته». نسأل الله أن يحفظ مصر وأهلها، وأن يلهم تجارنا الأمانة، ويرزق مجتمعنا التكافل والترابط.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19717

موضوعات ذات صلة

رئيس الانجيلية يفتتح مؤتمر “الألف خادم” بوادي النطرون

حازم رفعت

الجامع الأزهر .. إشعاع علمي ورسالة وسطية عالمية

محمود على

ملتقى المرأة بالجامع الأزهر ناقش حقوق الطفل في الإسلام

محمود على

نور الإسراء والمعراج

أيمن مصطفى

أكاديمية الأزهر تدشن دورتين للوعّاظ

محمود على

مستشار شيخ الأزهر: نُخرّج أطباء بضمير إنساني

محمود على