
في القرى التي تعرف معنى العِشرة، وتحفظ قيمة الجار، وتؤمن بأن الدم إذا سال ترك خلفه وجعًا لا يهدأ بسهولة، جاءت «بني محمديات» التابعة لمركز أبنوب بمحافظة أسيوط لتقف أمام اختبار بالغ القسوة، بعد حادث دموي مزق القلوب، وخطف أرواحًا بريئة، وفتح أبواب الحزن على مصراعيها داخل بيوت لم تكن تتوقع أن تستيقظ على هذا القدر من الفاجعة.
لكن القرية التي كادت أن تدخل نفقًا طويلًا من الخصومات والثأر، اختارت طريقًا آخر أكثر صعوبة وأعظم قدرًا، حين انتصر صوت العقل على الغضب، وغلبت الحكمة رغبة الانتقام، لتتحول المأساة إلى واحدة من أهم رسائل السلام المجتمعي التي يشهدها الصعيد في السنوات الأخيرة.
وفي قلب هذا المشهد، حضر الأزهر الشريف لا باعتباره مؤسسة دينية فحسب، وإنما باعتباره ضمير وطن يعرف متى يتدخل، وكيف يحمي الناس من الانقسام، وكيف يرمم النفوس قبل البيوت، ويعيد للقلوب قدرتها على التماسك بعد الانكسار.
تحرك سريع
فور وقوع الحادث الأليم، الذي أسفر عن سقوط عدد من الضحايا والمصابين إثر إطلاق أعيرة نارية بصورة عشوائية، جاءت توجيهات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بسرعة التحرك نحو القرية، لمنع امتداد آثار الحادث إلى دوائر جديدة من الغضب والاحتقان.ولم يكن التحرك شكليًّا أو بروتوكوليًّا، بل حمل الأزهر على عاتقه مسؤولية وطنية كاملة، تستهدف حماية المجتمع، وقطع الطريق أمام أي محاولات قد تدفع الأمور نحو الثأر أو الفتنة أو الانقسام.
رجل المصالحات
ومن هنا، تصدر المشهد فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف السابق ورئيس اللجنة العليا للمصالحات، الذي تحرك بخبرة طويلة يعرفها أبناء الصعيد جيدًا، بعدما ارتبط اسمه طوال السنوات الماضية بعشرات المصالحات الناجحة التي أعادت الاستقرار إلى قرى وعائلات كانت على حافة الانفجار.
شومان لم يتحدث بلغة الخطب التقليدية، بل تحدث بلغة الناس، واقترب من القلوب المنكسرة، متنقلًا بين بيوت الضحايا، حاملًا رسالة الإمام الأكبر، ومؤكدًا أن الأزهر لا يأتي إلى الناس وقت الهدوء فقط، بل يكون حاضرًا بينهم وقت المحن والأزمات والدموع.
رسالة الإمام
وخلال الزيارة، نقل الوفد الأزهري تعازي الإمام الأكبر ومواساته لأسر الضحايا، مؤكدًا أن الأزهر يقف إلى جوارهم بكل إمكاناته، وأن حفظ المجتمع من الفتنة بات مسؤولية جماعية تتطلب تغليب الحكمة على الانفعال.
كما أجرى فضيلة الإمام الأكبر اتصالًا هاتفيًّا مباشرًا بأسر الضحايا الذين أعلنوا العفو، مشيدًا بموقفهم النبيل، وما أظهروه من صبر واحتساب ووعي بخطورة الانجرار إلى دوائر الانتقام.
وأكد شيخ الأزهر أن ما قامت به هذه العائلات يجسد القيم الحقيقية للإسلام، الذي يدعو إلى الإصلاح والتسامح وإعلاء قيمة العفو، حفاظًا على الأرواح والمجتمعات.
عفو الكبار
المشهد الأكثر تأثيرًا داخل القرية لم يكن في الكلمات، بل في المواقف، حين أعلنت أسر الضحايا قبول العزاء والاستجابة لدعوات الصلح، رغم قسوة الفقد ومرارة الحزن.
ذلك القرار لم يكن سهلًا، لكنه كشف عن معدن أصيل لأبناء الصعيد، الذين يدركون أن الثأر لا يعيد غائبًا، وأن الحفاظ على استقرار القرية وأمن أبنائها أهم من فتح أبواب دم جديدة لا تنتهي.وقد شمل العفو أسر عدد من الضحايا الذين تحولت مواقفهم إلى حديث الأهالي داخل القرية وخارجها، بعدما قدموا نموذجًا نادرًا في التسامح وتغليب المصلحة العامة على الجراح الشخصية.
وحدة مصر
وبرزت داخل المشهد صورة وطنية شديدة العمق، بعدما أعلنت عائلة «أبو قارة» المسيحية العفو الكامل عن حقها، واستجابت لوساطة الأزهر الشريف، في موقف حمل معاني كبيرة عن طبيعة النسيج المصري الحقيقي، الذي لا يعرف تفرقة بين مسلم ومسيحي وقت الشدائد ، ذلك الموقف لم يكن مجرد مشاركة في جلسة صلح، بل كان رسالة واضحة بأن أبناء الوطن الواحد يقفون دائمًا معًا لحماية مجتمعاتهم من الفتن، وأن الدم المصري لا يفرق بين دين وآخر، بل يجمع الجميع تحت راية الإنسانية والوطن.
وأعاد هذا المشهد إلى الأذهان الصورة الحقيقية للصعيد المصري، الذي عاش لعقود طويلة نموذجًا فريدًا للتعايش والترابط، حيث تتجاور البيوت والقلوب قبل الجدران، وتبقى العلاقات الإنسانية أقوى من أي خلافات طارئة.
دعم إنساني
ولأن الأزهر لا يكتفي بالكلمات، وجّه فضيلة الإمام الأكبر بفتح أبواب مستشفى الأزهر الجامعي بأسيوط أمام المصابين، لاستكمال علاجهم وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم، مع متابعة حالتهم الصحية بصورة مستمرة.
ذلك القرار حمل رسالة إنسانية مهمة، مفادها أن الأزهر لا يؤدي دورًا دعويًّا فقط، وإنما يتحرك باعتباره مؤسسة وطنية واجتماعية وإنسانية، تساند الناس في أوقات الألم، وتقف إلى جوارهم بالفعل قبل التصريحات.
حضور واسع
وشهدت التحركات حضورًا لافتًا لعدد من علماء الأزهر وقيادات لجنة المصالحات، إلى جانب شخصيات برلمانية وتنفيذية وشعبية وقضائية، في مقدمتهم الأستاذ الدكتور محمد عبد المالك نائب رئيس جامعة الأزهر للوجه القبلي، وعدد من أعضاء لجان المصالحات والقيادات المجتمعية.كما شارك عدد من أعضاء مجلس النواب والقيادات الشعبية والوجهاء، الذين أكدوا جميعًا أهمية التكاتف المجتمعي، والعمل على إغلاق أبواب الفتن والخلافات، وترسيخ قيم السلام والتسامح داخل المجتمع.
ويبدو أن «بني محمديات» لا تعيش اليوم مجرد مصالحة عابرة، بل تعيش بداية جديدة عنوانها استعادة الروابط الإنسانية، وإعادة بناء الثقة بين الجميع، بعدما نجح الأزهر الشريف بقيادة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، وجهود الدكتور عباس شومان، في تحويل لحظة نزيف وألم إلى نقطة انطلاق نحو سلام مجتمعي حقيقي ، فالقرية التي خيم عليها الحزن، بدأت تستعيد هدوءها تدريجيًّا، بعدما اختارت العائلات أن تنتصر للحياة، وأن تمنح أبناءها فرصة للعيش في أمان بعيدًا عن دوائر الدم والثأر.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه كثير من القيم تحت ضغط الأزمات، جاءت «بني محمديات» لتؤكد أن مصر ما زالت قادرة على إنجاب رجال يطفئون الفتن بالحكمة، وعائلات تنتصر للعفو، ومؤسسات وطنية تعرف كيف تحمي المجتمع من الانقسام، ليبقى الأزهر الشريف واحدًا من أهم الجسور التي تعيد للمصريين وحدتهم وتماسكهم كلما حاولت الأزمات أن تعصف بهم.
