سليدرمنوعات

فرويز لـ”صوت البلد: المرض النفسي يختلف عن الاضطراب

ثمة خلط شائع في الفهم المجتمعي بين مفهومي “المرض النفسي” و“الاضطرابات النفسية”، في وقت تشهد فيه الأخيرة طفرة وتصاعداً مستمراً على مستوى العالم لتصبح المحرك الأساسي لتبدل السلوكيات والمشاحنات اللحظية التي باتت تطالعنا يومياً في الفضاء العام، وهو الملف الشائك الذي ناقشته “صوت البلد” في لقاء خاص وموسع مع الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي.

في مستهل حديثه لـ“صوت البلد”، أفاد الدكتور جمال فرويز بأنه استناداً إلى أحدث البحوث العلمية في مجال علم النفس، تؤكد الدراسات وجود مليار ومئتي مليون مصاب بـاعتلالات نفسية حول العالم، مشيراً إلى أن المسألة التي تخفى على الكثيرين هي ضرورة التمييز بين المرض النفسي بمفهومه الدقيق — والذي تتراوح نسبته بين 7% و11% في المجتمعات كافة — وبين الاضطرابات النفسية التي تشهد طفرة وتصاعداً مستمراً في الآونة الأخيرة؛ موضحاً أن رقعة هذه الاضطرابات قد اتسعت لتتجاوز حاجز الـ50% في بعض المجتمعات. أما في مصر، فقد تخطت معدلاتها نسبة 31%، لافتاً إلى أن أبرز تجلياتها تتمثل في اضطرابات الشخصية السيكوباتية، والحدية، والدورية؛ مؤكداً في الوقت ذاته أن هناك ثمة أشخاص يمارسون حياتهم بكفاءة ويحققون نجاحات ملموسة رغم معاناتهم من هذه الاضطرابات، مما يؤكد تفردها واختلافها الجذري عن المرض النفسي، علماً بأن الأمراض النفسية ذاتها لا تشكل عائقاً كلياً يمنع الإنسان من ممارسة حياته في جميع الأحوال.

التربية الأولى

ويرفض الدكتور جمال فرويز السطحية في تناول الأزمة، ويذهب مباشرة إلى المربع الأول الذي تتشكل فيه النواة السلوكية للإنسان، وهو البيئة الأسرية وطبيعة النشأة؛ حيث يوضح فرويز أن الأسرة هي “المصنع السلوكي” الذي يزود الفرد بآليات التعامل مع الأزمات الخارجية، فعندما تنشأ الأجيال الجديدة في بيئات منزلية يغلب عليها الصوت العالي، والتعنيف البدني، وغياب لغة الحوار العقلاني، فإن الوعي الباطن للطفل يبرمج العنف كوسيلة وحيدة ومقبولة لفرض الإرادة وحل النزاعات.

أضاف استشاري الطب النفسي، “المشكلة الحقيقية تكمن في أن الأبناء الذين يتربون في كنف أسر تعاني من التفكك أو الإهمال العاطفي، يخرجون إلى المجتمع ولديهم هشاشة نفسية مفرطة، ويفتقدون لما يسميه علم النفس “المرونة الانفعالية”؛ فهؤلاء الأفراد عندما يواجهون أي موقف يهدد كبرياءهم أو يتعارض مع مصالحهم في الشارع, لا يملكون الصبر أو القدرة على النقاش، بل تترجم عقولهم الموقف فوراً إلى تهديد وجودي، فيكون رد الفعل الحركي والبدني أسرع بكثير من التفكير العقلاني، وهو ما يفسر تحول مشادات بسيطة إلى معارك دموية خلال ثوانٍ معدودة”.

الاحتقان الطبقي

ينتقل الدكتور جمال فرويز إلى البُعد السوسيولوجي والنفسي المرتبط ببنية المجتمع، ليفند دور الفروق الطبقية والمجتمعية الحادة بين الفئات المختلفة، وكيف تنعكس هذه الفروق بشكل مباشر على السلوك الفردي والجماعي أثناء حدوث الخلافات في الشارع؛ حيث يرى فرويز أن الاتساع الفج في الفجوات الطبقية يخلق في الأعماق نوعاً من “الاحتقان الطبقي الصامت” أو الشعور المزمن بالاضطهاد وعدم الإنصاف لدى الفئات الأقل حظاً في المجتمع؛ إذ إن هذا الاحتقان لا يظل حبيس الصدور، بل يجد في الشارع العام متنفساً ومسرحاً للظهور؛ فعلى سبيل المثال، عندما يقع تصادم مروري بسيط بين سيارة فارهة وأخرى متهالكة، فإن الخلاف لا يدار حول حجم التلفيات أو قواعد المرور، بل يتحول في ذهن الطرفين إلى صراع هويات وطبقات؛ فيفسر الطرف الأقل حظاً الموقف على أنه محاولة من الآخر لممارسة “الاستعلاء الطبقي” عليه، فيندفع بدافع الدفاع عن كرامته المهددة – من وجهة نظره – إلى تبني سلوك عدواني مفرط وغير مبرر لإثبات الندية والقوة؛ فالشارع هنا يصبح ساحة لتصفية حسابات اجتماعية ونفسية متراكمة، حيث يُستغل الخلاف البسيط كوقود لتفجير شحنات الغضب المخزونة ضد الفوارق الطبقية الملموسة في الحياة اليومية.

التشوه النفسي

يتطرق استشاري الطب النفسي إلى الملف الأكثر دقة وخطورة، وهو الانتشار الواسع وغير المرصود للاضطرابات والتشوهات النفسية في أوساط المارة وسائقي المركبات؛ حيث يؤكد فرويز أن الأسفلت يعج يومياً بآلاف الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات شخصية حادة دون أن يتلقوا أي علاج أو رعاية، وفي مقدمة هذه الاضطرابات تأتي “الشخصية السيكوباتية” (المضادة للمجتمع)؛ إذ يتسم الشخص السيكوباتي باللامبالاة الكاملة تجاه مشاعر وحقوق الآخرين، والاندفاعية الشديدة، والافتقار التام لشعور الذنب أو تأنيب الضمير بعد ارتكاب الأفعال المؤذية، وإلى جانب الشخصية السيكوباتية، يوضح الدكتور فرويز أن تعاطي وإدمان المواد المخدرة المستحدثة والتخليقية (مثل الشابو والآيس) أحدث تدميراً مباشراً وغير قابل للإصلاح في خلايا المخ والمسارات العصبية المسؤولة عن كبح الجماح والسيطرة على الانفعالات؛ فهؤلاء الأفراد، المشوهين نفسياً أو الواقعين تحت تأثير الكيمياء المدمرة، يمثلون قنابل موقوتة تسير في الشوارع. إنهم يملكون “ترجمة مشوهة” لكل ما يدور حولهم؛ فالإشارة باليد من سائق آخر تفسر على أنها إهانة بالغة، والتباطؤ في السير يُرى كتعمد للاستفزاز، وبالتالي يأتي رد فعلهم انتقامياً، حاداً، ودموياً، رغبةً منهم في تدمير الآخر دون أدنى تفكير في العواقب القانونية أو الإنسانية.

المسخ الثقافي

لا يمكن فصل العنف في الشارع عن التراجع السلوكي العام الذي يسميه الدكتور جمال فرويز بـ”المسخ الثقافي والأخلاقي”؛ حيث يوضح استشاري الطب النفسي أن المجتمع يمر بمرحلة انتقالية مشوهة نتجت عن غياب الهوية وتجريف القيم الأصيلة، مع غياب شبه كامل لآليات الوعي والردع المعنوي؛ لافتاً إلى أن الأسرة قد تخلت عن دورها التربوي الأساسي وانشغل الآباء بالركض خلف لقمة العيش، بينما تخلت المؤسسات التعليمية والدينية عن أدوارها في صياغة الوجدان وتهذيب السلوك؛ موضحاً أن هذا الفراغ القيمي الخطير ملأته الدراما الهابطة ومحتويات منصات التواصل الاجتماعي، التي دأبت على مدار سنوات على تصدير نموذج “البلطجي” أو الخارج عن القانون كبطل شعبي يحظى بالاحترام والمال والنفوذ بفضل ذراعه وسلاحه الأبيض.

وأشار استشاري الطب النفسي إلى أن الشباب والمراهقين، الذين يعانون أصلاً من حرمان عاطفي وتخبط قيمي، يمتصون هذه النماذج المشوهة ويعيدون إنتاجها في سلوكهم اليومي بالشارع، مشيراً إلى أن حمل السلاح الأبيض أو استخدام العنف اللفظي والبدني يُصبح وساماً يثبت من خلاله الشاب “رجولته” المزعومة وقدرته على السيطرة، وسط غياب تام لثقافة الاعتذار التي باتت تُفسر في ثقافة الشارع الحالية على أنها ضعف وخنوع.

شماعة الضغوط

في ختام هذا التفنيد النفسي والاجتماعي الشامل، يضع الدكتور جمال فرويز النقاط فوق الحروف بشأن العلاقة بين الوضع المعيشي وظاهرة العنف؛ مؤكداً أن اختزال الأزمة في “الضغوط الاقتصادية والمالية” هو تسطيح شديد وتبرير قاصر لا يصمد أمام التحليل العلمي؛ موضحاً أن الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأعباء الحياة اليومية، هي عوامل موجودة في كل مجتمعات العالم، وهي تعمل كمُعجّل أو عامل محفز يُسرع وتيرة الانفجار، لكنها لا تخلق السلوك الإجرامي أو الدموي من عدم؛ فالإنسان السوي نفسياً، المنضبط سلوكياً، والذي نشأ في بيئة أسرية قائمة على السكينة والحوار، قد تضغط عليه الظروف المادية وتجعله قلقاً أو حزيناً، لكنها لن تحوله أبداً إلى قاتل في الشارع بسبب خلاف على ركنة سيارة.

وأضاف: الضغوط المعيشية تكشف فقط عورات التنشئة الخاطئة، وتخرج أسوأ ما في الشخصيات المشوهة والمضادة للمجتمع التي تعيش بيننا. لذلك، فإن مواجهة الظاهرة تتطلب الكف عن تقديم الأعذار السوسيولوجية للمجرمين، والبدء في التعامل مع العنف في الشارع كمرض سلوكي مركب يتطلب تضافر كافة جهود الدولة ومؤسساتها المعنية لإعادة الانضباط والسكينة إلى الشارع المصري.

خارطة العلاج

إن الخروج من نفق عنف الشارع المظلم يستلزم، وفقاً للرؤية النفسية والتحريرية، تبني استراتيجية وطنية شاملة ومتعددة المحاور لا تعتمد على المسكنات المؤقتة؛ فالمحور الأول والأساسي هو إعادة فرض هيبة القانون الصارم والحاسم في الشارع دون أي تراخٍ؛ حيث يجب أن يدرك كل مواطن يعتزم ممارسة العنف أو إشهار سلاح في وجه الآخرين، أن العقوبة ستكون فورية، رادعة، وعلنية، لإنهاء المقولة التاريخية الفاسدة “من أمن العقاب أساء الأدب”. أما المحور الثاني؛ فيتطلب ثورة تصحيحية في المنظومة الإعلامية والدرامية، من خلال تفعيل دور الرقابة الفنية لمنع تصدير نماذج العنف والبلطجة وإهدار كرامة الإنسان كعناصر للجاذبية السلوكية، واستبدالها بأعمال تكرس قيم القانون والتحضر الإنساني والتسامح، فيما يأتي المحور الثالث الذي يتعلق بضرورة تدشين حملات قومية مستدامة للصحة النفسية والإرشاد الأسري تقودها وزارات التضامن والشباب والتعليم بالتعاون مع المؤسسات الدينية، لتدريب الأسر على التربية الإيجابية، وتعليم المواطنين كيفية التعامل مع الشحنات الانفعالية والضغوط اليومية بطرق آمنة وصحية، بعيداً عن لغة الدم والكسر التي شوهت وجه الشارع وأفقدته أمانه الإنساني المعهود.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19642

موضوعات ذات صلة

إجراءات وقائية لمنع إنتشار فيرس حمي غرب النيل

المحرر

إليسا تغني شارة “على قد الحب” لنيللي كريم

حسن عبدالعال

تكريم سيدة مسنة بقنا تختم القرآن

أحمد الفاروقى

سناء البياتي: “الصفر اللغوي” قادني لفهم نور القرآن

شيماء عيسي

مستقبل تقنيات علاج الأسنان والحلول الذكية

أيمن مصطفى

شارع محمد نجيب بالإسكندرية: نمو العمران من قلب العشوائيات

أيمن مصطفى