ثقافة وأدبسليدر

السيد حامد: مؤامرة “إسرائيل الكبرى” تعمل بقوة السلاح

 

د.السيد حامد مؤلف كتاب فلسطين والصهيونية

ليست الصهيونية مجرد حركة سياسية تستهدف إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين؛ بل مشروع استعماري توافقت عليه القوى الغربية لإقامة كيان وظيفي يخدم مصالحهم؛ ولكن حين تصبح كلفة هذا الكيان أكبر من عوائده، سيتخلى الجميع عنه وتنهار إسرائيل على الفور.
هذه الحقيقة يؤكدها د. السيد حامد، مؤلف كتاب “فلسطين والصهيونية.. صراع البقاء والفناء”، والصادر عن دار “إشراقة” في نحو 500 صفحة، تروي عبر شهود الحقيقة، قصة الصراع على أرض فلسطين حتى اللحظة التي تجري فيها حرب الإبادة أمام أنظار العالم..
في السطور التالية حوار مع المؤلف يكشف جوانب مجهولة من حلقات الصراع وكيف يمكن أن يديره العرب بوعي لتحقيق النصر واستعادة الأرض المحتلة.

البعض يندهش من مساندة القوى الغربية للكيان الصهيوني، فما جذور هذا الدعم؟
الصلة بين الصهيونية والعالم الغربي متجذرة؛ وبرغم العداء التاريخي حول من يكون “شعب الله المختار” واضطهاد روما القديم لليهود، لكن منذ أواخر القرن السابع عشر، ظهرت في الفكر المسيحي البروتستانتي تفسيرات حرفية للعهد القديم؛ بأن العودة الفعلية لليهود إلى فلسطين شرط لكي يعود المسيح ويعمّ الرخاء. ولقد كان آرثر بلفور صاحب التصريح الشهير وديفيد لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني الذي وافق على توظيف الصهيونية في فلسطين، من المؤمنين بتلك الرؤية.
لقد تأثر اقتصاد أوروبا وحياتها السياسية والاجتماعية سلبا بتدفق هجرات اليهود المضطهدين في روسيا، وقررت بريطانيا وفرنسا المسارعة بالتخلص منهم وزرعهم في كيان جديد يتحول لجيب استعماري في مناطق النفوذ.
أما أمريكا فهي دولة ولاؤها للكيان العبري منذ تأسيسها؛ ولو نظرنا اليوم سنرى سياسة ترامب بدعم المسيحيين الإنجيليين الذين يؤمنون بذات النبوءات المتعلقة بشرط إسرائيل لعودة المسيح.
وكي نفهم أهمية إسرائيل فهي القادرة على القيام بالأعمال الشائنة التي لا تريد واشنطن ولا عواصم الغرب أن تمارسها أمام شعوبها بحق مستعمراتها القديمة في بلاد العرب والعالم الثالث، مثل التجسس، وتصدير المرتزقة والسلاح، ومعاقبة أي حاكم عربي يخرج عن طوع البيض الأبيض مثلما جرى مع عبد الناصر حين اختلف مع واشنطن فكان عقابه دعم إسرائيل التي انتصرت في ستة أيام على جيوش مصر وسوريا والأردن في 1967، بفضل الدعم الأمريكي، وابتلعت كامل مساحة فلسطين فاحتلت وبسهولة مدهشة قطاع غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية لنهر الاردن. واحتلت شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان. كانت غصة شديدة في حلق كل عربي.
وبالتالي فنحن أمام قاعدة استخبارات كبيرة لأمريكا ونقطة ارتكاز قريبة من منابع البترول. ولهذا تقف أمريكا دوما لإنقاذ جيبها في المنطقة كما حدث في حرب أكتوبر 1973 وكما جرى بعد عملية طوفان الأقصى 2023 ومرور نصف قرن من الزمان.

ولماذا اتجهت رعاية الصهيونية من أوروبا لأمريكا؟
برغم مساندتها للكيان الصهيوني في مهده، اضطرت بريطانيا لإصدار كتابا أبيض في 1939 ادعت فيه رفضها تحوّل فلسطين لدولة يهودية، وبرغم كونها عمليا هي المظلة لوجوده والراعية لكل عمليات التهجير وبناء المستوطنات وتأديب المقاومة الباسلة حتى وصل الشهداء لنحو خمسة آلاف فلسطيني، وخاصة ممن خرجوا في الثلاثينيات حين اندلعت الثورة الكبرى مع المجاهد الشهيد عز الدين القسّام الذي تمت محاصرته عام 1935 مع رفاقه في جنين بعد أن أطلق شرارة الكفاح المسّلح. هنا شعر الصهاينة بالخطر لمجرد رفض بريطانيا تهويد فلسطين، فاتجهت دفة الشراع لراعيهم الجديد وهي الولايات المتحدة الأمريكية؛ وقد جمع بن جوريون عصابات الهاجاناه وقال: الوحش الصهيوني ظهرت له أنياب ويستطيع الدفاع عن نفسه.
في هذا الوقت عرضت أمريكا على الأمم المتحدة مشروع تقسيم فلسطين المجحف وتحديدا في 1947 ومارست جهودا جبارة وملتوية لتمريره، وكان القرار يمنح إسرائيل معظم الأراضي الفلسطينية ذات القيمة. ثم كانت أمريكا هي أول دولة تعترف بتبني المشروع الصهيوني ودولة إسرائيل التي أعلنت بعدها في مايو 1948.

تركز بكتابك على خطر الدعاية الصهيونية وأشهرها ما جاء في كتاب نتنياهو.. حدثنا عن ذلك
إسرائيل لا تحيا بغير بروباجاندا لكسب الرأي العام وتحقيق مصالحها عبر فزاعة معاداة السامية وذكرى الهولوكوست، والتي بحسب روجيه جارودي تنطوي على مبالغات لإجبار أوروبا على دعم إسرائيل في حربها ضد العرب.
ومن الشعارات الصهيونية المخادعة “شعب بلا أرض، لأرض بلا شعب” ولو كانت فلسطين كذلك لحققت الصهيونية أهدافها في احتلال فلسطين بيسر وبلا صراع دموي ولما قال الصهاينة الأوائل في رسالة لتيودور هرتزل: “العروس جميلة لكنها متزوجة”.

في مايو 1993 أصدر نتنياهو كتابه الشهير الذي ينفي الحق العربي في الأرض وبرغم أن وجود العرب الكنعانيين سبق وجود اليهود بآلاف السنوات، بل وبخلاف كل المراجع التاريخية؛ يدعي أن العرب هم من اضطهد اليوم لا الرومان، وبرغم أن اليهود ظلوا معرضين للقتل والأسر والتهجير حتى الفتح العربي.
بل وسنرى كيف يفصح نتنياهو عن عزمه صراحة تحويل الضفة الغربية بالكامل تحت السيادة الإسرائيلية، مع رفض تام لعودة اللاجئين بحجة تهديد التركيبة السكانية، والتبجح بالقول إن الفلسطينيين لديهم بلدان عربية يهاجروا إليها ويعملوا فلماذا يتمسكون برقعة صغيرة من الأرض وهي فلسطين!
ويتمادى نتنياهو بالقول إن لإسرائيل حق في مياه نهر الليطاني وحقها في سيناء المصرية، والقول بأن وجودهم حتمي في هضبة الجولان وهي امتداد السور الواقي لإسرائيل بعد الضفة الغربية، والقول بأن القدس كاملة ستعود عاصمة لإسرائيل ولا مكان للعرب فيها والذين يصفهم بالبربرية والإرهاب… وهكذا فنحن أمام كيان يمزج المطامع الاستعمارية بالتدليس التاريخي.

د. السيد حامد مع  محررة ” صوت البلد “

هل تقاعست النخب العربية في الانتصار للمقاومة؟
لقد تراوحت مواقف النخب تاريخيا بين الانتصار للمقاومة أو التحامل عليها؛ بل أن نخب فلسطين الرسمية بعد الاحتلال البريطاني عام 1917 ظلت تتمسك بخيار التفاوض مع المحتل البريطاني، والتودد إليه بشعارات الحرية والعدالة، وأنه يستطيع فك التحالف مع الصهيونية والتحالف مع العرب بديلا، دون أن تدرك تلك النخب الارتباط العضوي بين الإمبراطورية البريطانية والصهيونية.
وهو أيضا ما عمدت له نخب في مصر قبل يوليو 1952، فقد احتفل اليهود في مصر حينما صدر تصريح بلفور عام 1917، وشاركهم في الاحتفال بعض رجالات الدولة ومنهم أحمد زيور باشا مدير الإسكندرية آنذاك، بل وشارك أحمد لطفي السيد في الاحتفال بافتتاح الجامعة العبرية عام 1925، ورفض رجال الحكم والسياسية السماح للفلسطينيين في مصر بالتظاهر ضد بلفور والذي زار القاهرة عام 1925 في طريقه إلى القدس للمشاركة في افتتاح الجامعة العبرية، وتبنوا القومية الضيقة، التي ترفض مد الصلة بين مصر ومحيطها العربي والإسلامي، ثم تغير الحال مع اشتداد نشاط التيارين القومي والإسلامي المؤيد لفلسطين.

كتابك تستعرض فيه مقولة ادوارد سعيد أن اتفاقية أوسلو هي خيانة لفلسطين. لم؟
لقد اعتبر إدوارد سعيد يوم التوقيع على اتفاقية أوسلو، الأولى والثانية، أيام حداد قومي حين حوّلت منظمة التحرير نفسها من حركة تحرر إلى ما يشبه حكومة بلدية صغيرة. لقد رسخت الاتفاقية شرعية احتلال إسرائيل لنحو 78% من فلسطين، واستهدفت إسرائيل أن تحل منظمة التحرير وفتح محل الاحتلال في قمع المقاومة ومطاردة المقاومين، لترفع إسرائيل عن نفسها هذا العبء، وكذلك المسئولية عن إدارة شئون حياة ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي المقابل زادت إسرائيل من عمليات الاستيطان في الضفة الغربية، وزادت الانتهاكات بحق الأبرياء، وعزلت إسرائيل القدس الشرقية عن الغربية، وجعلت المسجد الأقصى تحت حراستها، وعزلت غزة عن الضفة وعزلت غزة عن العالم وبنت العوازل والجدران ودمرت كل ما استطاعت تدميره، فما الذي أضافته الاتفاقيات!. الغريب أن المحتل برغم ليونة الموقف الفلسطيني الرسمي في كل المفاوضات ظل مصمما على موقفه الذي أعلنه بيجن وشامير ويعلنه قادة اليمين الصهيوني اليوم: لا للانسحاب من الضفة الغربية والقدس، لا لدولة فلسطينية، يسعى اليمين الصهيوني إلى تحقيق حلم إسرائيل الكبرى بقوة السلاح.
هكذا استفادت إسرائيل من أوسلو أضعاف ما استفاده الفلسطينيون، تماما مثلما استفادت من اتفاقية كامب ديفيد مع مصر حين سعت لتحييدها عن دورها العربي الرائد حتى يومنا؛ وتفرغت إسرائيل لالتهام الضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان السورية وارتكبت مجازر صابرا وشاتيلا، ولا يزال التاريخ شاهدا على ذلك.

وهل لذلك تعتبر أن خيار المقاومة سيظل ما بقي الاحتلال؟
بالطبع؛ وقد كانت الانتفاضة الأولى والثانية أساسا لتعرية حقيقة المحتل الدموي وحملات الاعتقال والقتل التي طالت الأطفال وبرغم أنهم لا يملكون غير الحجارة التي يرشقون بها الدبابات، وقام المقاومون بعمليات نوعية داخل الكيان أرهقته سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وأثبتوا أنه لا يمكن لشعب أن يرضخ طويلا لانتهاك إنسانيته، وأن هؤلاء الذين تربوا في مخيمات اللجوء وذاقوا مر العيش تحت الاحتلال العسكري وعلى الحواجز الأمنية المنيعة التي حالت بينهم وبين أرضهم ومدارسهم وأعمالهم، هم المقاومون غدا.

هل ترى أن الحل في دولة فلسطينية يحيا فيها اليهود يحظون بحقوق المواطنة؟
نعم. لأن الواقع الذي نحياه يجعل من الصعب تصور رحيل كل اليهود عن فلسطين، لهذا فإن الحل الذي أتصوره هو قيام دولة واحدة، دولة تضم المسلمين والمسيحيين واليهود، وتعترف لجميع مواطنيها بكامل حقوق المواطنة. وهذا الحل ليس جديدا، فقد طرحه الفلسطينيون والعرب في الأربعينيات من القرن الماضي بديلا عن مشاريع تقسيم فلسطين. وبالطبع هذا الحل يستبعد الصهيونية، فالصهيونية وفلسطين لا يجتمعان.

اقرأ أيضا: 

أرواح على الماء.. حين لا يصبح الغرق اختيارا

عمرو دنقل: أبطالي أبناء واقع مضطرب وأكتب بعيونهم

فاطمة العوا: حكايات الإنسان قارب للنجاة زمن الحرب

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=24443

موضوعات ذات صلة

أنظار العالم تتجه إلى أكبر احتفالية ثقافية مصرية

المحرر

النائب احمد السجيني يكشف .. تفاصيل قانون المحليات

صفاء الشاطر

عودة ماجد الكدواني بقوة في رمضان 2026

مي صلاح

الكحلاوي ضمن خبراء التراث بقرار وزاري

هدير عادل

المتحف المصري ذاكرة حضارة تتجدد

هدير عادل

أسرة «قلوب فرحانة» تزور مستشفى 57357 للأطفال

إسحاق يوسف فرج