
لم تعد شوارع الإسكندرية، العاصمة الثانية لمصر وعروس البحر الأبيض المتوسط، تئن فقط من زحام الصيف أو ضغوط الكثافة السكانية، بل باتت تواجه خطراً بيئياً وأمنياً منظماً تقوده مجموعات تُعرف بـ“مافيا النباشين”. ففي كل زاوية ومنعطف، وخلف الصناديق المخصصة لجمع المخلفات، تدور معركة يومية صامتة، أبطالها خارجون عن القانون، وضحيتها المظهر الحضاري للمدينة وصحة مواطنيها.
الظاهرة التي بدأت منذ سنوات كحالات فردية لكسب العيش، تحولت في الآونة الأخيرة إلى تجارة عشوائية منظمة بملايين الجنيهات، تُدار عبر شبكات ومخازن غير مرخصة لفرز المخلفات الصلبة وسط الكتلة السكنية، حيث إن هذا الملف يفتح الستار عن كواليس هذا البيزنس الأسود، ويرصد بالأسماء والأرقام ملامح المواجهة الحاسمة التي تقودها الأجهزة التنفيذية والأمنية حالياً لاستعادة الانضباط بالشارع السكندري.
خريطة البؤر العشوائية
كشفت جولة ميدانية موسعة في مختلف أحياء الإسكندرية أن هذه الظاهرة السرطانية لم تعد تقتصر على الأطراف النائية للمدينة، بل تغلغلت بقوة في قلب الأحياء الراقية والشعبية على حد سواء دون تفرقة، حيث رصدت مصادرنا التحريرية ملامح واضحة لتمركز هذه المافيا في نطاق حي شرق وحي وسط، لا سيما في مناطق باكوس وتحديداً في محيط شارع الزيت، بالإضافة إلى مناطق الإبراهيمية وكامب شيزار والسيوف، حيث يستغل النباشون الشوارع الخلفية الجانبية والمساحات الممتدة أسفل خطوط السكك الحديدية لإفراغ محتويات الصناديق وبعثرتها.
ويمتد هذا التمركز العشوائي بوضوح إلى نطاق حي المنتزه أول وحي المنتزه ثان، حيث تشهد مناطق شارع ثلاثين ومحيط الفلكي ومنطقة العصافرة القبلية تكدساً شبه يومي لعربات التروسيكل والخيول التي تستخدم في نقل المخلفات المفروزة، وصولاً إلى مناطق غرب الإسكندرية وحي العجمي، حيث تحولت أجزاء واسعة من قرية النخيل بمنطقة الهانوفيل وبعض الأراضي الفضاء المسورة إلى تشوينات كبرى ومخازن غير مرخصة لتجميع البلاستيك والكرتون والمستندات الورقية، مما يجهض الجهود اليومية المكثفة لعمال النظافة الرسميين الذين يجدون القمامة مبعثرة على الأرصفة والطرقات بعد أخذ المواد الثمينة وتجفيفها.
بيزنس الملايين
التحقيق في هذا الملف يكشف عن هيكل طبقي دقيق يدير هذه التجارة؛ فالنباش الذي يراه المواطن في الشارع ليس سوى الحلقة الأضعف والأخيرة في سلسلة طويلة.
تبدأ الرحلة بالنباش الفردي الذي يتحرك سيراً على الأقدام أو مستخدماً تروسيكل غير مرخص، يقوم بجمع المواد الصلبة من الصناديق طوال الليل والصباح الباكر؛ حيث تنتهي رحلة هذا النباش عند المعلم أو صاحب الزريبة والتشوينة، وهي مخازن عشوائية غير مرخصة مقامة على أراضٍ مغتصبة أو فضاء وسط الأحياء. هنا يتم شراء المحصول اليومي بالوزن وبأسعار بخسة، ليقوم عمال آخرون بإعادة فرز وتصنيف المواد من بلاستيك وكرتون وكانز وزجاج. وفي المرحلة الأخيرة، تدخل الحيتان الكبرى وهي مصانع غير رسمية تشتري هذه الأطنان بأسعار مرتفعة لإعادة تدويرها أو تصديرها كخرز بلاستيكي، مما يعني أننا أمام اقتصاد موازٍ ضخم لا يدفع ضرائب ولا يخضع لأي رقابة بيئية أو صحية.
سيف القانون
أمام تفاقم هذه الأزمة وتحولها إلى تهديد مباشر للأمن البيئي، شنت محافظة الإسكندرية بقيادة المهندس أيمن عطية بالتعاون مع مديرية الأمن وشركة نهضة مصر للخدمات البيئية حملات مداهمة موسعة وغير مسبوقة.
وقد جاء القرار الأخير للمحافظ بمثابة ضربة قاصمة، حيث وجّه بتحويل مخالفات النباشين وضبط التشوينات إلى محاضر جنائية فورية تُحال مباشرة إلى النيابة العامة، بدلاً من الغرامات الإدارية البسيطة التي كان أصحاب المخازن يدفعونها ويستأنفون نشاطهم في اليوم التالي.
ووفقاً للبيانات الرسمية الأخيرة الصادرة عن المحافظة، أسفرت الحملات الصارمة عن إزالة وتطهير بؤر فرز عشوائية أسفرت عن رفع أكثر من ألف وأربعمائة وثمانية أطنان من مخلفات الفرز المتراكمة، كما جرى غلق وتشميع عشرات المخازن غير المرخصة بالسيوف، وباكوس، والعجمي، والتحفظ على محتوياتها، ومصادرة المئات من وسائل النقل غير القانونية من عربات كارو وتروسيكلات وإيداعها بشرطة المرافق.
مخاطر صحية
يتعدى خطر النباشين مجرد تشويه المنظر الجمالي لعروس البحر المتوسط، ليمس بشكل مباشر الصحة العامة للمواطنين، حيث يؤكد خبراء الطب الوقائي بالأجهزة الصحية بالإسكندرية أن نبش الصناديق وترك المواد العضوية مكشوفة في العراء يتسبب في جذب القوارض والكلاب الضالة والانتشار الكثيف للذباب والناموس، والتي تنقل أمراضاً خطيرة ومعوية للمواطنين والأطفال، ناهيك عن الروائح الكريهة الناتجة عن تحلل الفضلات تحت أشعة الشمس الحارة، كما أن هذه المخازن العشوائية المقامة وسط الكتل السكنية الكثيفة تمثل خطورة داهمة لكونها بؤراً قابلة للاشتعال في أي لحظة نتيجة لتخزين مواد سريعة الاشتعال كالبلاستيك المضغوط والأوراق دون أي اشتراطات للأمن الصناعي أو الدفاع المدني.
التكلفة الاقتصادية
تتكبد الدولة ميزانيات ضخمة يومياً لتمويل عقود النظافة ورفع المخلفات، غير أن نشاط هذه المافيا يتسبب في خسائر مادية فادحة للأجهزة التنفيذية والمحلية، حيث يتعمد النباشون إتلاف وتخريب حاويات القمامة البلاستيكية والمعدنية الجديدة لسهولة إخراج محتوياتها أو لسرقة الأجزاء الحديدية منها وبيعها لتجار الخردة، فضلاً عن أن بعثرة المخلفات في الشوارع تضاعف من ساعات عمل سيارات شركة نهضة مصر وعمال المقاولات الفرعية لإعادة جمع القمامة الملقاة على الأرض، مما يمثل استنزافاً كبيراً للجهد والوقود والمعدات، ويحول دون توجيه تلك الموارد لتطوير محاور مرورية أو تجميل ميادين أخرى تحتاجها المحافظة.
تفعيل دور المواطن
لا يمكن للجهاز التنفيذى وحده القضاء على هذه الظاهرة دون وعي ومشاركة إيجابية من سكان الإسكندرية؛ حيث تشير إدارة الرصد البيئي بالمحافظة إلى أن سلوك المواطن يمثل نصف حل الأزمة؛ فقيام بعض المواطنين بإلقاء القمامة خارج الصناديق أو في أوقات غير مخصصة لمرور سيارات شركة النظافة يمنح النباشين الفرصة الكاملة لفرزها وبعثرتها في الشوارع.
وفي هذا الصدد، أعلنت شركة نهضة مصر عن رفع درجة الاستعداد القصوى وتفعيل الخط الساخن سبعة عشر ستمائة وستة وتسعين لتلقي بلاغات المواطنين الفورية عن أماكن تواجد النباشين أو بؤر التجميع العشوائي، لتقوم فرق التدخل السريع بالتوجه فوراً ومصادرة المعدات وتنظيف الموقع بالكامل.
البعد الأمني
امتدت المواجهة لتشمل البعد الأمني الصارم من خلال التنسيق بين إدارة المرور وشرطة المرافق لشن حملات مرورية مكثفة في الشوارع والمحاور الرئيسية لمصادرة كافة الدراجات النارية والتروسيكلات وعربات الكارو التي تسير بدون لوحات معدنية أو رخص قيادة، والتي تستخدمها المافيا كأدوات نقل سريعة ومجهولة للهرب داخل الأزقة الضيقة، حيث ترى القيادات الأمنية أن إحكام السيطرة على حركة هذه المركبات ومصادرتها فوراً يقطع الشرايين المغذية لمخازن الفرز الكبرى ويحرم النباشين من وسيلة الحركة الأساسية، مما يجبرهم على التراجع والانحسار التام.
ويرى خبراء الإدارة المحلية والتنمية المستدامة أن الحل الأمني والقانوني، رغم أهميته القصوى وحتميته في الوقت الحالي لفرض الانضباط، يجب أن يتكامل مع حل اقتصادي واجتماعي على المدى الطويل، حيث إن تجربة تدوير القمامة هي تجربة اقتصادية واعدة، إذ يمكن للمحافظة تحويل هذا التحدي إلى فرصة من خلال تقنين الأوضاع، وإنشاء منظومة رسمية لجمع المخلفات الصلبة من المنبع من المنازل مباشرة تحت إشراف المحافظة وشركة النظافة، وتوظيف هؤلاء الشباب كعمال جمع رسميين بمرتبات وحماية تأمينية وصحية. هذا بالإضافة إلى دعم الشركات الناشئة وتحفيز الشباب والمستثمرين الصغار على إنشاء مصانع تدوير شرعية داخل المناطق الصناعية المعتمدة في مرغم وبرج العرب، لامتصاص هذه المواد المخلفات بطرق علمية آمنة لا تضر بالبيئة السكنية.
المبادرات المجتمعية
يبرز هنا دور العمل الأهلي ومنظمات المجتمع المدني بالإسكندرية كعنصر فاعل وحاسم في غلق هذا الملف بصفة نهائية، عبر إطلاق مبادرات توعوية لتدريب ربات البيوت والمحلات التجارية على آلية “الفصل من المنبع”، أي عزل المواد الصلبة في أكياس مستقلة عن المخلفات العضوية وتسليمها مباشرة لعمال شركة النظافة الرسميين، مما يحرم النباش تماماً من العثور على أي مواد ذات قيمة بيعية داخل الصناديق العامة بالشارع، كما يمكن للجمعيات الأهلية تبني مشروعات متناهية الصغر لشراء المواد الصلبة من المواطنين بأسعار رمزية أو استبدالها بنقاط تموينية، ليعود العائد المادي للمواطن البسيط والدولة بدلاً من ذهابه لجيوب شبكات المافيا غير الشرعية.
إسكندرية بلا “نباشين”
إن معركة تطهير الإسكندرية من عشوائية النباشين هي معركة كرامة بصرية وحضارية بامتياز؛ حيث إن الخطوات الصارمة التي تتخذها الدولة حالياً تؤكد أنه لا تهاون مع من يستبيح أمن الشارع وصحة المواطن؛ ليبقى الرهان قائماً على استمرار هذه الحملات التنفيذية بنفس القوة والزخم، جنباً إلى جنب مع وعي المواطن السكندري لتعود المدينة كما كانت دائماً، منارة للجمال والنظافة على ساحل المتوسط.
