سليدرشؤون سياسية

أنقرة تدفع بثقلها العسكرى لإنقاذ البرهان بالسودان

ا

تتحرك الخرطوم فى واحدة من أكثر اللحظات حساسية فى تاريخ السودان الحديث، بينما تتداخل خيوط الحرب والسياسة والتحالفات الإقليمية فوق أرض أنهكتها المعارك والانقسامات، ليأتى ظهور رئيس مجلس السيادة السودانى الفريق أول عبدالفتاح البرهان فى العاصمة التركية أنقرة كرسالة تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسى إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فى توقيت يشتعل فيه الميدان السودانى على أكثر من جبهة، وتتزايد فيه رهانات الحسم العسكرى على حساب أى تسوية سياسية قريبة.

ماذا بعد عربدة المليشيات في السودان؟.. كتّاب يكشفون..

زيارة البرهان إلى تركيا لم تكن مجرد لقاء سياسى عابر مع الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، لكنها بدت وكأنها محطة جديدة فى مسار إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان، خاصة مع الحضور اللافت لرئيس جهاز الاستخبارات التركى إبراهيم قالن خلال المباحثات المغلقة، وهو ما يعكس بوضوح الطبيعة الأمنية والعسكرية للملفات المطروحة على الطاولة بين الجانبين.

رسائل واضحة

الدوائر السياسية فى الخرطوم وأنقرة تقرأ الزيارة باعتبارها محاولة سودانية لحشد مزيد من الدعم التركى فى معركة الجيش السودانى ضد قوات الدعم السريع، خصوصا بعد التحولات الكبيرة التى أحدثتها الطائرات المسيّرة التركية فى سير العمليات العسكرية خلال الأشهر الماضية، بعدما تحولت المسيّرات الحديثة إلى سلاح حاسم فى استهداف التحركات العسكرية الإمدادات اللوجستية داخل عدة ولايات سودانية.

وتشير تقارير دولية إلى أن تركيا أصبحت واحدة من أبرز الداعمين العسكريين للجيش السودانى، عبر صفقات تسليحية متطورة شملت طائرات بيرقدار وأقنجى، وهو ما منح القوات المسلحة السودانية قدرة أكبر على المناورة والرصد والهجوم الدقيق، فى مواجهة الدعم السريع الذى يعتمد بصورة أساسية على الانتشار السريع والتحرك البرى واسع النطاق.

حسم مؤجل

ورغم الحديث المتكرر عن إمكانية لعب أنقرة دور الوسيط لإنهاء الحرب، فإن المؤشرات الميدانية والسياسية لا تزال تدفع باتجاه استمرار القتال، خاصة مع تمسك البرهان بخيار الحسم العسكرى ورفضه أى هدنة لا تضمن إنهاء ما يصفه بتمرد الدعم السريع.

هذا التوجه يجعل فرص الوساطة التركية محدودة للغاية فى الوقت الراهن، لأن طبيعة الصراع تجاوزت حدود الخلاف السياسى التقليدى، وأصبحت مرتبطة مباشرة بإعادة رسم شكل السلطة ومستقبل الدولة السودانية بالكامل، وهو ما يفسر تمسك الجيش السودانى بمواصلة العمليات العسكرية حتى السيطرة الكاملة على المشهد.

دور متصاعد

اللواء شبل عبدالجواد، رئيس هيئة مكافحة الإرهاب بالمنطقة العربية، يؤكد أن التحرك التركى داخل السودان لم يعد تحركا سياسيا فقط، بل تحول إلى مشروع نفوذ استراتيجى متكامل فى منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للتوازنات الإقليمية.

ويشير فى تصريحات خاصة إلى أن أنقرة تدرك تماما أن السودان يمثل بوابة جيوسياسية خطيرة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لذلك تسعى إلى تثبيت حضورها عبر أدوات متعددة، تبدأ بالدعم العسكرى ولا تنتهى عند التعاون الاستخباراتى والاقتصادى.

ويضيف أن دخول المسيّرات التركية إلى ساحة المعركة السودانية غيّر كثيرا من قواعد الاشتباك، خاصة أن الجيش السودانى أصبح يمتلك قدرة أكبر على الرصد والاستهداف من مسافات بعيدة، وهو ما منح القوات المسلحة تفوقا نسبيا فى بعض الجبهات الملتهبة.

مخاوف إقليمية

فى المقابل، تثير هذه التحركات قلق عدد من القوى الإقليمية والدولية التى تخشى تحول السودان إلى ساحة صراع نفوذ مفتوحة بين أطراف متعددة، خصوصا مع تزايد التدخلات الخارجية وتضارب المصالح فى منطقة البحر الأحمر.

ويرى مراقبون أن أى توسع فى الدعم العسكرى الخارجى قد يدفع الحرب إلى مرحلة أكثر تعقيدا، ويطيل أمد النزاع، فى وقت يعيش فيه ملايين السودانيين أوضاعا إنسانية كارثية بسبب النزوح وانهيار الخدمات الأساسية تتفشى المجاعة والأوبئة فى عدة مناطق.

رؤية سياسية

أما المستشار والمحلل السياسى طارق الهوارى، يرى أن البرهان يتحرك حاليا وفق استراتيجية تقوم على تثبيت شرعية المؤسسة العسكرية خارجيا، عبر بناء تحالفات قوية مع دول تمتلك تأثيرا إقليميا مثل تركيا.

ويؤكد أن القيادة السودانية تدرك أن الحسم العسكرى وحده لا يكفى، لذلك تعمل بالتوازي على خلق غطاء سياسى ودبلوماسى يمنحها مساحة أكبر فى أى ترتيبات مستقبلية تخص السودان. إن تركيا تسعى بدورها إلى توسيع نفوذها فى أفريقيا والبحر الأحمر، مستفيدة من حالة الفراغ السياسى و الأمني التى تعيشها بعض الدول، وهو ما يجعل التقارب التركى السودانى جزءا من مشروع الإقليمي أوسع يتجاوز حدود الأزمة الحالية.

نزيف مستمر

وعلى الأرض، تستمر الحرب السودانية فى حصد مزيد من الضحايا يوميا، بينما تتوسع رقعة الاشتباكات فى دارفور و كردفان وأجزاء من العاصمة الخرطوم، وسط تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة بصورة غير مسبوقة.

المدن السودانية أصبحت تعيش تحت ضغط الانهيار الكامل، لا مستشفيات قادرة على استيعاب المصابين، ولا بنية خدمية تتحمل استمرار الحرب، فيما تتزايد المخاوف من دخول البلاد مرحلة التفكك الشامل إذا استمرت المعارك بنفس الوتيرة الحالية.

المشهد السودانى يقف الآن عند مفترق طرق شديد الخطورة، فإما أن تنجح التحركات الإقليمية والدولية فى فرض مسار سياسى يوقف النزيف المستمر، أو تنزلق البلاد نحو حرب طويلة تستنزف ما تبقى من مؤسسات الدولة.لكن المؤكد حتى الآن أن زيارة البرهان إلى أنقرة تكشف بوضوح أن معركة السودان لم تعد شأنا داخليا خالصا، بل أصبحت جزءا من صراع نفوذ اقليمي مفتوح، تتحرك فيه العواصم الكبرى وفق حسابات المصالح و التوازنات، بينما يبقى الشعب السودانى وحده هو الخاسر الأكبر من استمرار الحرب واتساع دائرة الدم والخراب.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=19537

موضوعات ذات صلة

الحب من أول نظرة

أيمن مصطفى

لو خلص الفول أنا مش مسؤول.. نداء صحي لأهمية البقوليات

المحرر

البرلمان يوافق على قانون الضمان الاجتماعي

المحرر

درش… لغز الهوية يشعل رمضان 2026

حسن عبدالعال

بضغطة زر.. كيف غيرت التكنولوجيا أضحية العيد؟

أيمن مصطفى

مواجهة التنمر.. دليل عملي للآباء

المحرر