
في الأول من يونيو من كل عام، تستعيد مصر ذكرى واحدة من أكثر الرحلات تأثيرًا في تاريخها الديني والإنساني، وهي رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر، التي تحولت عبر القرون من حدث تاريخي وروحاني إلى أحد أبرز روافد السياحة الدينية والثقافية في البلاد، و التي تعد كنز لنمط سياحي فريد.
وتكتسب هذه المناسبة أهمية خاصة لدى المصريين، لما تمثله من رمز للتسامح والتعايش والسلام، حيث احتضنت مصر السيدة مريم العذراء والسيد المسيح الطفل والقديس يوسف النجار خلال رحلة استمرت لسنوات، هربًا من بطش الملك هيرودس، وفقًا للرواية المسيحية.
نقاط رحلة العائلة المقدسة
وامتدت رحلة العائلة المقدسة داخل الأراضي المصرية لمسافة طويلة شملت العديد من المحافظات والمواقع التاريخية، بدءًا من سيناء مرورًا بمناطق الدلتا والقاهرة ووادي النطرون، وصولًا إلى محافظات الصعيد، حيث يُعد دير المحرق بمحافظة أسيوط من أبرز المحطات التي أقامت بها العائلة المقدسة لفترة طويلة، كما يضم المسار مواقع أخرى ذات قيمة روحية كبيرة مثل كنيسة أبي سرجة بمصر القديمة وجبل الطير بمحافظة المنيا.
وخلال السنوات الأخيرة، أولت الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بمشروع إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة، باعتباره أحد المشروعات القومية التي تجمع بين الحفاظ على التراث وتعزيز التنمية السياحية. ويضم المشروع 25 موقعًا أثريًا ودينيًا موزعة على عدد من المحافظات، حيث شهد العديد منها أعمال تطوير شاملة للبنية التحتية والخدمات والمناطق المحيطة لاستقبال الزائرين والحجاج من مختلف دول العالم.
الهدف من المشروع
ويهدف المشروع إلى وضع مصر على خريطة السياحة الروحانية العالمية، خاصة في ظل وجود ملايين المسيحيين حول العالم الذين ينظرون إلى مسار العائلة المقدسة باعتباره من أهم المزارات الدينية المسيحية. ويرى خبراء السياحة أن هذا المنتج السياحي يمتلك مقومات فريدة تمكنه من جذب شرائح جديدة من السائحين، لاسيما مع تنامي الاهتمام العالمي بالسياحة الثقافية والدينية.
ويُعد إدراج الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر على قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو عام 2022 تتويجًا للجهود المصرية في الحفاظ على هذا الإرث الإنساني الفريد، كما يعكس الاعتراف الدولي بالقيمة الروحية والثقافية التي تمثلها الرحلة في وجدان المصريين والعالم.
لوحات نادرة
وتجسد الأيقونات واللوحات الفنية المحفوظة داخل الكنائس والأديرة المصرية هذا الحدث التاريخي الخالد، ومن بينها الأيقونة المحفوظة بكنيسة القديسين سرجيوس وواخس «أبي سرجة» بمصر القديمة، والتي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، حيث توثق جانبًا من رحلة العائلة المقدسة وتُبرز مكانتها في التراث القبطي المصري.
ومع كل ذكرى جديدة لدخول العائلة المقدسة إلى مصر، يتجدد التأكيد على أن هذه الرحلة لم تكن مجرد حدث عابر في التاريخ، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من الهوية الحضارية المصرية، وجسرًا يربط بين التراث الديني والتنمية السياحية، بما يعزز مكانة مصر كوجهة عالمية للسياحة الروحانية والثقافية.
و يعد مسار العائلة المقدسة من المشروعات التي تراهن عليها وزارة السياحة والآثار لتنويع المنتج السياحي المصري، إلى جانب السياحة الثقافية والشاطئية، بما يساهم في جذب أسواق جديدة وزيادة متوسط إقامة السائحين في المحافظات الواقعة على طول المسار و التي تعد رحلات دينية روحانية تجذب جميع مسيحي العالم لمصر.
