
البيئة هي الحصن الداخلي والبيت الكبير الذي يجمعنا، والحفاظ عليها ليس مجرد رفاهية أو خيار شخصي، بل هو ضرورة حتمية لاستمرار الحياة بشكل صحي وآمن. ومع زيادة الكثافة السكانية وتغير أنماط الاستهلاك، تزايدت السلوكيات السلبية التي تهدد هذا التوازن، وعلى رأسها ظاهرة إلقاء القمامة في الشوارع والأماكن العامة، ووفقًا لإحصاءات وزارة البيئة، يتراوح إجمالي كمية النفايات المولدة في مصر بين 26 و28 مليون طن سنويًا
إن إلقاء النفايات خارج الأماكن المخصصة لها لا يقتصر ضرره على المظهر غير الحضاري فحسب، بل يمتد لينتج كوارث بيئية وصحية ملموسة، أهمها انتشار الأوبئة والأمراض؛ حيث تتجمع الحشرات والقوارض حول تجمعات القمامة، مما يجعلها بيئة خصبة لانتقال أمراض خطيرة مثل الكوليرا، والتيفود، والأمراض الجلدية والصدرية.
وعندما تتحلل النفايات العضوية وينتج عنها غازات كريهة، يتلوث الهواء، وتزداد المشكلة تفاقمًا عندما يقوم البعض بحرق هذه القمامة عشوائيًا، مما يطلق غازات سامة وجزيئات تضر بالجهاز التنفسي.
أزمة الميكروبلاستيك
كما تتفتت النفايات البلاستيكية الملقاة في الشوارع بفعل العوامل الجوية إلى جزيئات دقيقة تُعرف بالميكروبلاستيك، والتي تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية والسلسلة الغذائية، مهددة الصحة البشرية والحياة البحرية. وقد تنجرف المخلفات -خاصة البلاستيكية وزيوت الطهي المستعملة التي تُسكب عشوائيًا- لتستقر في مصارف المياه، مما يؤدي إلى انسدادها وغرق الشوارع بمياه الأمطار أو الصرف الصحي.
الأمر الذي يضطر الدول لإنفاق مبالغ طائلة لإعادة تنظيف الشوارع وصيانة المرافق، فضلًا عن تشويه الواجهة الجمالية للمدن والتأثير سلبًا على حركة السياحة والاستثمار.
يشهد المجتمع حراكًا واعدًا يقوده الشباب الجامعي لتقديم حلول علمية وتوعوية وتكنولوجية لمواجهة هذه المخاطر، مدفوعين بالمسؤولية المجتمعية والروحية. وتحت شعار المسؤولية المجتمعية والاستدامة، قدم طلاب الجامعات المصرية حلولًا عملية مبتكرة تدمج بين الوعي، والتكنولوجيا، والبحث العلمي الجيني لمواجهة مشكلات النفايات والتلوث، أهمها: مشروع التعديل الجيني لتحليل الميكروبلاستيك، حيث عمل فريق من طلاب برنامج التكنولوجيا الحيوية بكلية العلوم في جامعة عين شمس على مشروع بحثي مبتكر بعنوان:“Genetic Improvement for Eco-Friendly Beads for Microplastics Degradation”.
تقوم فكرة المشروع على عزل سلالات بكتيرية محلية تمتلك القدرة الطبيعية على تحليل جزيئات الميكروبلاستيك الضارة، ثم تحسين كفاءتها باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية لإنتاج حبيبات حيوية فعّالة وصديقة للبيئة. ويقدم المشروع حلًا حيويًا مستدامًا يعتمد على الموارد الطبيعية المحلية، للحد من تراكم المخلفات البلاستيكية في المياه والتربة، بدلًا من الطرق التقليدية مرتفعة التكلفة.
الوعي المجتمعي
وانطلاقًا من أن التغيير يبدأ من الفكر، أطلق طلاب كلية اللغات والترجمة بجامعة الأهرام الكندية مشروع تخرج توعوي تحت عنوان:Green Voice – A Voice for the Environment، يطرح المشروع فكرة توظيف الإبداع اللغوي والإعلامي لتقديم رسائل مؤثرة وبسيطة تصل إلى مختلف الفئات العمرية عبر وسائل التواصل والمحتوى الهادف؛ لترسيخ مفهوم الاستدامة كجزء من الثقافة المجتمعية، وتشجيع الأفراد على تبني سلوكيات يومية بسيطة مثل تقليل استخدام البلاستيك، وترشيد استهلاك الموارد، وإعادة التدوير، مؤكدًا أن حماية البيئة مسؤولية جماعية تتطلب تعاون الجميع.
فيما نجح طلاب الجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني الأهلية فرع عين شمس في تطوير منظومة تكنولوجية ذكية تحمل اسم: “Not Just Recycling (NJR)”، وتقوم فكرة المشروع على نظام ذكي ومتكامل يربط بين الأفراد، والمطاعم، والشركات الصغيرة، وجهات إعادة التدوير لجمع وفرز النفايات المنزلية والتجارية، خاصة زيوت الطهي المستعملة، والنفايات البلاستيكية، والورق والكرتون. ويتيح للمستخدمين طلب خدمات الجمع بسهولة وتحديد المواعيد المناسبة.
برنامج الحوافز
لا يقتصر النظام على الجمع التقليدي، بل يمنح المستخدمين نقاطًا ومكافآت بناءً على كمية ونوع النفايات المسلمة، مما يحفز المجتمع على فرز القمامة من المنبع. ويمنع التخلص العشوائي من زيوت الطعام التي تدمر شبكات الصرف الصحي، ويحول النفايات إلى مواد خام تدعم الاقتصاد الدائري.
إن مواجهة ظاهرة إلقاء القمامة في الشوارع وحماية الأرض تتطلب استراتيجية متكاملة تدمج بين الدين والعلم، عن طريق تفعيل الوازع الديني وتنشئة الأجيال على أن نظافة الشارع عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله، وأن إيذاء المارين بإلقاء المخلفات سلوك يتنافى مع كمال الإيمان.
كما يجب على الجهات الحكومية والخاصة تبني مشروعات تخرج الطلاب مثل نظام “NJR” التكنولوجي وحبيبات “عين شمس” الحيوية، وتحويلها من مشاريع معملية إلى تطبيقات حقيقية على أرض الواقع. والاستمرار في إطلاق حملات توعوية إعلامية ولغوية مبتكرة تشابه مشروع “Green Voice” لتبسيط مفاهيم الاستدامة وجعلها ممارسة يومية واعية.
اقرأ أيضًا:
فيلم “برشامة”.. سيميائية العبث وميثولوجيا الغش
ملهم الأدباء وقاتلهم: بين وهم الكاريزما وعبودية التبغ
محمد طه في “علاقات خطرة” يحذر من العلاقات السامة
عمر تقي: الكاريكاتير العراقي ولد من رحم الوجع

